تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
عليه وأمّا إذا لم يكن كذلك فلا مانع من الرّجوع إلى الأصل هذا كلَّه لو كان المراد هو المعنى الثّاني وإن كان المراد المعنى الثّالث أي نسخ الجميع باعتبار وجوب الالتزام ففيه أوّلا المنع من كون مقتضى التّدين بدين نبيّ وجوب الالتزام بكلّ حكم جاء به من حيث إنّه جاء به وإنّما الَّذي يجب على المكلَّف الالتزام بحكم اللَّه الَّذي علم به من قول أيّ نبيّ كان لأنّ قول الرّسول طريق إلى الأحكام الواقعيّة كحكم العقل ومن المعلوم أنّ جهة الطَّريقيّة لا يقتضي أخذها في الحكم المترتّب على ذي الطَّريق وبالجملة مقتضى كون قول الرّسول طريقا عدم وجوب الالتزام به من حيث هو هو وعدم كونه ناسخا لقول الرّسول السّابق عليه بهذا الاعتبار كيف وقد ورد في حقّ عيسى بن مريم عليه السلام أنّه قال لأمّته إنّي ما جئت إلا لأكمل شريعة موسى عليه السلام ولا ينافي ذلك وجوب تصديق النّبي صلى الله عليه وآله بالنّسبة إلى جميع ما ثبت منه أصلا وفرعا والالتزام به من حيث إنّ الالتزام بكونه حكم اللَّه عين تصديقه كما هو ظاهر وثانيا سلَّمنا ذلك لكن نقول إنّا نثبت بالاستصحاب كون الحكم عند نبيّنا صلى الله عليه وآله على طبق الحكم عند النّبي السّابق سواء كان اعتبار الاستصحاب من باب الظَّن أو التّعبّد أمّا على الأوّل فلأنّه يظنّ بالاستصحاب ببقاء الحكم السّابق في شريعتنا وأمّا على الثّاني فلأنّ المستفاد من الأخبار هو الحكم كليّة بإبقاء ما ثبت في السّابق فالثّابت في الشّريعة السّابقة حكم ظاهريّ في شريعتنا بمقتضى الأخبار هذا ولكن يمكن أن يورد على ما ذكرنا بأنّ بعد تقيّد جميع الأحكام في الشّريعة السّابقة بالقيد المذكور يكون الثّابت في شريعتنا مثله لا محالة لا عينه لاستحالة ذلك فلا معنى لإجراء الاستصحاب التغيّر الموضوع قطعا هذا ويمكن التّفصّي عنه بأنّ المستصحب ليس هو الحكم المقيّد بالقيد المذكور وإنّما هو ذات المقيّد أي حكم اللَّه الكلَّي مع قطع النّظر عن جميع الخصوصيّات وتقييده بالقيد المذكور ليس من خصوصيّاته المقوّمة له وإنّما هو من لوازم العلم به من تبليغ النّبي السّابق هذا ملخّص ما ذكره دام ظلَّه في مجلس البحث وذكر أنّه المراد من قوله ولكن يدفعه إلى آخره والمقام يحتاج إلى مزيد تأمّل قوله : وفيه أنّه إن أريد بالذّاتي إلخ أقول : توضيح ما ذكره دام ظلَّه في الجواب عمّا ذكره الفاضل القمّي يحتاج إلى بيان معنى الذّاتي والمراد منه في كلماتهم فنقول إنّ الذّاتي يطلق في لسانهم على معنيين أحدهما ما لا يمكن تخلَّفه عن الشّيء عقلا بمعنى كون الذّات علَّة تامّة له وهذا هو المعروف في ألسنتهم ثانيهما ما يكون الذّات مقتضيا له وإن أمكن تخلَّفه عنه من جهة الموانع والمزاحمات ولك أن تجعل القسمين قسما واحدا بتعميم الاقتضاء بالنّسبة إلى الفعلي والشّأني إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المراد من الذّاتي في كلامه المعنى الأوّل حسب ما هو ظاهر إطلاقه فلا إشكال في عدم كون الحسن والقبح بالمعنى المذكور مبنى للاستصحاب في الأحكام الشّرعيّة بل وقوع الاستصحاب في الأحكام الشّرعيّة مقتضي لبطلان الحسن والقبح بالمعنى المذكور ولهذا أبطلوا القول به مطلقا لوقوع النّسخ في الأحكام الشّرعيّة مع أنّ مقتضاه عدم جوازه على القول بعدم إمكان البداء في حقّ الحكيم تعالى كما استقرّ عليه مذهب العدليّة بل على القول به أيضا على بعض الوجوه إلَّا على القول بعدم وجود الملازمة بين الحسن والقبح والحكم الشّرعي مطلقا الفاسد عند المحقّق القمّي قدس سره وهذا لا سترة فيه أصلا وإن أريد به المعنى الثّاني ففيه أنّه لا فرق بين القول به والقول بالوجوه والاعتبار فإنّه إن كان ابتناء الحكم الشّرعي على الحكم العقلي وتطابقهما مانعا عن جريان الاستصحاب بناء على الشّبهة الَّتي عرفت اندفاعها فلا معنى للفرق بينهما إذ كما يمكن ارتفاع الحسن الثّابت في العقل مثلا ثبوتا ثانويّا بارتفاع الوجه الَّذي هو الموضوع الأوّلي له الصّادق على الفعل كذلك يمكن ارتفاعه على القول بكونه ذاتيّا بالمعنى المذكور بواسطة وجود المانع والمزاحم وإن لم يكن ابتناء الحكم الشّرعي على العقلي مانعا فلا معنى للفرق بينهما أيضا كما لا يخفى هذا وقد يقال إنّ القول بتبعيّتهما للاعتبار أوضح في المانعيّة ؛ فتأمّل مع أنّ إطلاق القول بتبعيّة الحسن والقبح للوجوه والاعتبار ممّا لا معنى له كما أوضحنا القول فيه فيما كتبناه في سالف الزّمان في مسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين وقد أشرنا إليه في الجزء الأوّل من التّعليقة عند التّكلَّم في مسألة التّجري مع أنّه لو كان مانعا لمنع من استصحاب عدم النّسخ في هذه الشّريعة أيضا وبالجملة ابتناء الاستصحاب على مسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين والأقوال في كيفيّة ثبوتها للأفعال ممّا لا معنى له جزما ثمّ إنّ هنا وجهين آخرين للقول بعدم حجيّة الاستصحاب بالنّسبة إلى الحكم الثّابت في الشّريعة الأوّل : أنّه لو جرى الاستصحاب في أحكام الشّريعة السّابقة لوجب الفحص عن حكمها في كلّ مسألة من المسائل بالرّجوع إلى الكتب المنزلة على النّبي السّابق وهو خلاف السيرة المستمرّة بين العلماء رض الثّاني : أنّه وإن كان الاستصحاب بحسب الموضوع محقّقا بالنّسبة إلى الأحكام الثّابتة في الشّريعة السّابقة إلَّا أنّ الأخبار غير منصرفة إليه فلا يحكم باعتباره من هذه الجهة ويمكن الجواب عن الأوّل بأنّ عدم الفحص عن الحكم في الشّريعة السّابقة إنّما هو من جهة عدم وجود ما يرجع إليه في تحصيله لتغير الكتب المنزلة الموجودة في أيدي أهلها فليس ما يتكفّل لبيان ذلك ممّا يجوز الأخذ منه إلَّا