تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
الرّياء ونحوها من الضّمائم لا دلالة للآية على وجوب قصد التّقرب عليهم في كلّ واجب فإنّ الحصر إنّما هو باعتبار القيد لا القيد والمقيّد معا فيصير المحصّل منها أنّهم ما أمروا بإيقاع العبادة بوجه من الوجوه إلَّا على وجه الإخلاص فالآية إنّما تدلّ على وجوب الإخلاص عليهم في كلّ عبادة لا على كون كلّ ما أمروا به عبادة يجب فيها قصد التّقرب كما هو مراد الأكثر حسب ما نسب إليهم نعم ؛ الآية بهذا البيان تدلّ على اعتبار الإخلاص في العبادة على ما عليه الاتّفاق ظاهرا في الجملة نعم لو كان المراد الحصر بالنّسبة إليهما جميعا بمعنى عدم أمرهم بشيء إلَّا بالعبادة وعدم أمرهم بإيقاعها على وجه إلَّا على وجه الإخلاص لم يكن إشكال في دلالتها على المطلبين مع الغضّ عمّا عرفته أوّلا لكن إثبات هذا المعنى في غاية الإشكال بل الظَّاهر من الآية خلافه كما لا يخفى وأمّا ثالثا : فلأنّه على فرض تسليم كون اللَّام للغاية وجعل المراد من العبادة والإخلاص بالمعنى المذكور في تقريب الاستدلال نقول إنّه لا دلالة للآية على المدّعى أيضا لأنّ المحصّل منها على هذا التّقدير أنّهم ما أمروا في الشّريعة السّابقة بشيء من الأشياء إلَّا لغاية عبادة اللَّه على وجه الإخلاص بمعنى أنّ الغاية في نظر الشّارع في أمرهم بها هو ترتّب عبادة اللَّه على وجه الإخلاص على إتيانهم بها لما فيها من المصالح المقتضية لتكميل نفوسهم الموجبة لذلك وهذا المعنى كما ترى لا دخل له بوجوب قصد القربة عليهم في كلّ واجب بل لا ينافي كون جميع الواجبات في شريعتهم توصّليّا لا يشترط فيها قصد التّقرب أصلا إذ حاصل المعنى المذكور يرجع إلى أنّ الفائدة في نظر الشارع في أمر الأمم السّابقة بالواجبات هي سببيّة فعلها للقرب إلى الواجب العقلي وهي عبادة اللَّه بقصد التّقرب وهذا معنى ما تقرّر عند العدليّة أنّ الواجبات السّمعيّة بأسرها لطف في الواجبات العقليّة من حيث إنّ فعلها من جهة ما يترتّب عليها يوجب القرب إلى فعل المحسّنات العقليّة وترك المقبّحات العقليّة كما قضى به قوله جلّ شأنه وعزّ اسمه إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وبما عرفت ينبغي أن يفسّر القضيّة المعروفة لا بما قد يرتكبه المتعسّف الخالي عن التّأمّل من أنّ معناها كون فعل الواجبات السّمعيّة موجبة للوصول إلى ما فيها من المصالح المقتضية لإيجاب الشارع الفعل بحكم العقل من باب كونه حكيما لطيفا إذ نفس ما في الفعل ليس طاعة ومعصية حتّى يكون الفعل المحصّل له لطفا مع أنّ معنى اللَّطف هو القرب لا الوصول كما لا يخفى فإن قلت : كيف يجامع هذا المعنى مع قوله تعالى أخيرا ويقيموا الصّلاة الآية مع أنّ إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة ليستا من الواجبات العقليّة على أنّ المقصود من الآية هو الإخبار عن كونهم مأمورين بها لا كونها فائدة للأمر بواجباتهم قلت : أوّلا يمكن القول بكون الصّلاة واجبا عقليّا لما فيها من التّضمّن لشكر المنعم فتدبّر ؛ وثانيا أنّه ليس اللَّازم فيما ذكرنا كون فعل الواجب أوّلا وبالذّات موجبا للقرب إلى الواجب العقلي بل يكفي فيه مجرّد إيجابه القرب إليه ولو بواسطة إيجابه القرب إلى واجب سمعيّ يوجب القرب إلى الواجب العقلي على ما صرّح به جماعة هذا وأمّا ما ذكر أخيرا من عدم مناسبة جعل اللَّام للغاية لذيل الآية ففيه أنّه ردّ لا مخلص عنه إلَّا أنّه لا دخل له بما ذكرنا إذ ما ذكر إيراد على أصل الاستدلال بالآية على ما عرفته منّا وكلامنا مبنيّ على الغضّ عمّا أوردنا أوّلا وثانيا فإن قلت : إذا فرضت كون التعبّد غاية في كلّ ما وجب عليهم فيجب تحصيلها فيه لأنّ تحصيل ما هو الغرض للشّارع في الأوامر واجب كنفس الإتيان بالواجب فإذا ثبت وجوب قصد القربة في كلّ واجب ثبت بحكم الإجماع على عدم وجوب قصد القربة مستقلَّا أنّه كان شرطا في صحّة كلّ واجب عليهم فيثبت المطلوب قلت : ما ذكرته إنّما يصحّ فيما إذا كانت الغاية من الأفعال المقدورة للمكلَّف المتوقّف حصولها على إتيانها لا ما إذا كانت من الأمور المترتّبة عليه قهرا كما في المقام فإنّ غاية الواجبات ليست نفس التّعبّد بل هو القرب إليه الَّذي يعبّر عنه باللَّطف في لسانهم ومن المعلوم أنّ ترتب هذا المعنى على فعل الواجبات أمر قهريّ لا دخل لاختيار المكلَّف فيه أصلا كما لا يخفى فإن قلت : ما ذكرته إنّما يصحّ على تقدير تسليم كون امتثال أمر اللَّه تبارك وتعالى واجبا عقليّا في كلّ واجب حتّى التّوصّليّات ومن المعلوم أنّ العقل لا يحكم بوجوب هذا المعنى في التّعبّديات الَّتي تثبت اشتراط صحّتها بقصد القربة فضلا عن التّوصّليات غاية الأمر حكمه بوجوب الإتيان بالتّعبّديات بداعي التخلَّص عن العقاب والفرار عنه ومن المعلوم أنّ هذا المعنى غير التّعبّد على وجه الإخلاص قلت : الَّذي يحكم به العقل هو وجوب إطاعة اللَّه تعالى في كلّ واجب على ما هو قضيّة قوله تعالى أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرّسول فإنّه لا اختصاص لحكم العقل والشّرع بوجوب الإطاعة بالواجبات التّعبّدية بل يشملها والتّوصّلية قطعا ومن المعلوم أنّ الإطاعة والامتثال لا يتحقّق بدون التّقرب وليس المراد من التّقرب هو الإتيان بما أمر به اللَّه تعالى من حيث كونه مستحقّا للعبوديّة لأنّ هذه المرتبة من المراتب الَّتي لا يحكم العقل والشّرع بوجوبها قطعا ولا يشترط في صحّة العمل جزما لأنّه لا يمكن تحصيله إلَّا للأولياء بل هو مجرّد الإتيان بما أمر به لداعي التّقرب إليه ولو من جهة الفرار عن مؤاخذته لكفاية هذا المعنى في تحقّق الامتثال