أنّ الثّابت بالاستصحاب إذا قلنا باعتباره من باب التعبّد ليس إلَّا الآثار الشّرعيّة المترتّبة على المستصحب ترتّبا أوّليا بلا توسّط غيره إذا كان المستصحب من الموضوع
وبعبارة أخرى : الكبريات والمحمولات المترتّبة على المستصحب في الشّريعة من غير واسطة وجميع الآثار إذا كان المستصحب من الحكم الشّرعي بالشّرط الَّذي عرفته وهذا معنى ما اشتهر أنّ الأصل المثبت لا اعتبار به على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد إذا كان مجراه الموضوع الخارجي وأوّل من عنون الأصل المذكور بهذا العنوان على ما حكاه شيخنا دام ظلَّه في مجلس البحث فقيه عصره وشاع بين مشايخ ولده وتلامذته وتلامذتهم والمراد ما عرفت وقد غفل عنه غير واحد ممّن ذهب إلى اعتبار الأصول المثبتة فزعم كون القول بعدمه نقصا على الشّارع من حيث لزوم قصر قدرته على جعل الحكم دون غيره لأنّ لازم نفي اعتبار الأصول المثبتة عدم إمكان إرادة مطلق الأحكام ممّا ورد في المقام من الأخبار هذا
وإن أردت شرح الكلام في ذلك وتفصيل القول فيه فاستمع لما يتلى عليك
فنقول : المستصحب لا يخلو إمّا أن يكون من الأحكام الشّرعيّة أو الموضوعات وعلى كلّ تقدير إمّا أن يريد باستصحابه ترتيب ما رتب عليه شرعا من الآثار واللَّوازم بلا توسيط أمر عقلي أو عادي وإمّا أن يريد باستيضاحه ترتيب غيره عليه وإثبات غيره به وهو على أقسام لأنّه قد يكون أمرا عقليّا وقد يكون أمرا عاديا وقد يكون أمرا شرعيّا غير ما عرفت وعلى التّقادير إمّا أن يكون بين الأمر المذكور والمستصحب علقة ولزوم أو لا يكون بينهما لزوم بل يكون اجتماعهما من باب مجرّد الاتّفاق لمكان العلم الإجمالي وعلى التّقدير الأوّل إمّا أن يكون لازما للمستصحب أو ملزوما له أو ملازما معه لأمر ثالث وعلى جميع التّقادير إمّا أن يريد بإثبات ذلك الأمر إثبات تمامه أو إثبات قيده سواء كان وجوديّا أو عدميّا وعلى جميع التّقادير إمّا أن يكون المستصحب مع الأمر المذكور متّحدين في الوجود كالكلَّي والفرد أو متغايرين في الوجود وعلى تقدير كون الأمر المقصود بالإثبات لازما شرعيّا مترتّبا على المستصحب بواسطة أمر عقليّ أو عادي إمّا أن يكون الواسطة من الوسائط الخفيّة أو غيرها وعلى جميع التّقادير إمّا أن نقول باعتبار الاستصحاب من باب التعبّد أو نقول به من باب الظَّن سواء كان المدرك فيه غير الأخبار أو هي بناء على كون المقصود منها إثبات حجيّة الاستصحاب من باب الطَّريقيّة والكشف ونحن نتكلَّم أوّلا على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد والحكم الظَّاهري ثمّ نعقّبه بالكلام على القول باعتباره من باب الظَّن والطَّريقيّة وليعلم قبل الخوض في المسألة أنّ المقصود بالبحث من الأمر الغير الشّرعي في الشّق الثّاني من الشّقين الأوّلين هو الَّذي لم
يكن مجامعا مع المستصحب في الوجود في الزّمان السّابق وإلَّا فيخرج عن محلّ البحث لأنّ نسبة الاستصحاب إليه وإلى المستصحب على حدّ سواء بناء على ما جرى عليه ديدنهم واستقرّت عليه طريقتهم من الجمع في الاستصحاب بين اللَّازم والملزوم وأمّا بناء على ما عرفت منّا غير مرّة من عدم جواز الجمع بين الاستصحاب في اللَّازم والاستصحاب في الملزوم سواء كان اللَّازم من اللَّوازم العقليّة أو الشّرعيّة فيعمّ النّزاع اللَّازم الموجود مع المستصحب سابقا فإذا نقول أمّا لو كان المستصحب حكما شرعيّا فيترتّب عليه في زمان الشّك جميع لوازمه من الشّرعيّة والعقليّة والعادية بأقسامها لأنّك قد عرفت أنّ المجعول في زمان الشّك إذا كان المستصحب حكما شرعيّا نفسه في الظَّاهر فلا بدّ من أن يترتّب عليه جميع ما يترتّب على الحكم الواقعي المستصحب دون ما يكون ملزوما له أو ملازما معه لأمر ثالث وإن كان شرعيّا أيضا لأنّ المجعول بالأخبار على ما مرّت الإشارة إليه ليس إلَّا الكبريات هكذا ذكره الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه العالي وقد اشتهر ما ذكره دام ظلَّه بين تلامذته بل بين جميع أهل العصر ومن قاربه ولكنّك خبير بأنّه في كمال الإجمال وغاية الاضطراب
توضيح : ذلك أنّ كلَّا من الأثر الشّرعي وغيره الثّابت للحكم الشّرعي المستصحب قد يكون لازما لمطلق الحكم الشّرعي الشّامل للواقعي والظَّاهري بمعنى أنّه الموضوع فيه كوجوب الإطاعة وقبح المعصية في التّكليف الإلزامي وقبح العقاب مع الإذن في الفعل فيما لو كان المستصحب حكما غير إلزاميّ ووجوب المقدّمة وحرمة الضّد إلى غير ذلك من الآثار العقليّة المترتّبة على مطلق الحكم الشّرعي في حكم العقل وكجواز النّافلة لمن أتى بالفريضة بناء على كون المراد منها الأعمّ من الفريضة الواقعيّة والظَّاهريّة وقد يكون لازما لخصوص الحكم الواقعي ومترتّبا عليه في حكم العقل أو الشّرع كحكم العقل بالإجزاء المترتّب على امتثال التّكليف الواقعي على ما هو عليه وحكمه باستحالة عدمه فإن كان اللَّازم من الأوّل فلا إشكال في الحكم به باستصحاب الحكم الواقعي للقطع بتحقّق موضوعه لا لجعله في مرحلة
الظَّاهر كالمستصحب ومنه يظهر لزوم الحكم بملزومه أيضا إن كان ملزوما له مطلقا وإن كان من الثّاني فلا إشكال في استحالة الحكم بثبوت اللَّازم الغير الشّرعي لاستحالة تعلَّق الجعل به على ما عرفت سابقا وفي الحكم بثبوت اللَّازم الشّرعي عليه المترتّب عليه بلا توسيط لأنّ معنى استصحاب الحكم الشّرعي جعله وجعل جميع ما يترتّب عليه ممّا يمكن تعلَّق الجعل به ظاهرا فالحكم الشّرعي من هذه الجهة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 129
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٢٩