الشّرعيّة للمستصحبات نعم لا إشكال في أنّه لو صرّح الشارع باستصحاب أمر لم يكن له إلَّا الأثر الشّرعي المترتّب عليه مع الواسطة حكم بترتّبه عليه وهذا بخلاف حكمه بعموم الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك فإنّه لا يشمل الموضوع الَّذي لا يترتّب عليه حكم شرعيّ بغير واسطة ولا يثبت الحكم الشّرعي المترتّب على الموضوع بواسطة إذا كان مشمولا للأخبار من جهة ترتيب بعض الأحكام الشّرعيّة من دون واسطة عليه
فإن قلت : ما الفرق بين حكم الشارع في مورد خاصّ باستصحاب ما له حكم شرعيّ بواسطة وتصريحه به وبين حكمه عموما باستصحاب كلّ ما تعلَّق به اليقين سابقا وشكّ في بقائه لاحقا حيث قلت في الأوّل باعتبار الاستصحاب فيه وقلت في الثّاني بعدم شموله للموضوع الَّذي لم يترتّب عليه الحكم الشّرعي من دون واسطة وعدم دلالته على جعل الأثر المترتّب عليه بواسطة فإن جعل الأمر الغير الشّرعي إن كان ممكنا لم يعقل الفرق بين الحكمين وجعل الحكم الشّرعي مع الشّك في موضوعه من دون تنزيل في الموضوع إن كان ممكنا لم يعقل الفرق أيضا وإن لم يكونا ممكنين لم يعقل الفرق أيضا وأيضا ما الفرق بين الوسائط الخفيّة وغيرها في المعنى المذكور قلت الفرق بين الحكمين في غاية الوضوح والظهور بحيث لا ينبغي الارتياب فيه فإنّ في صورة التّصريح بعدم جواز نقض اليقين بما له حكم شرعيّ مع الواسطة لا بدّ من أن يلتزم بارتكاب خلاف ظاهر صونا لكلام الحكيم عن اللَّغويّة والهزليّة إمّا بإرجاع تنزيل الموضوع إلى تنزيل ما يلازمه أي الواسطة والموضوع الأوّلي للحكم الشّرعي إن قلنا بعدم إمكان تعلَّق الجعل بالحكم مع كون الشّك فيه مسبّبا عن الشّك في موضوعه من دون تنزيل في الموضوع وإمّا برفع اليد عن الحيثيّة المعتبرة في عدم جواز نقض اليقين بشيء بالشّك في بقائه وهذا بخلاف حكمه عموما بمقتضى الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك فإنّ الحكم بخروج ما لا يترتّب عليه أثر شرعيّ من دون واسطة عنها لا يلزم فيه محذور أصلا حتّى التّخصيص الَّذي يقدّم ارتكابه على غيره من أقسام ارتكاب خلاف الظَّاهر على تقدير لزومه فإنّك قد عرفت عدم شمول الأخبار بالنّظر إلى أنفسها ما له أثر شرعي مع الواسطة لا أنّه خرج عنه بمخرج خارجيّ وأمّا الفرق بين الوسائط الخفيّة وغيرها
فستقف عليه إن شاء الله عن قريب
فإن قلت : الظَّاهر من أخبار الباب هو عدم الاعتناء بالشّك وتنزيله منزلة عدمه وفرض المتيقّن السّابق موجودا واقعا والمعاملة معه معاملة صورة اليقين به والمفروض أنّه لو فرض اليقين به كان على المكلَّف الالتزام بجميع ما كان مترتّبا على المتيقّن مطلقا من غير فرق بين ذي الواسطة وغيره فلا بدّ من أن يقال إنّه في صورة الشّك أيضا لا بدّ من أن يعامل هذه المعاملة مع المتيقّن سابقا
قلت : قد عرفت أن الظَّاهر من الأخبار وجوب الالتزام بما كان المكلَّف ملتزما به في حالة اليقين بالمستصحب من حيث تيقّنه به لأنّ عدم الالتزام بغيره لا يسمّى نقضا له ومن المعلوم أنّ الالتزام بالحكم المترتّب على المستصحب بالواسطة على فرض وجود اليقين به لا يكون من جهة اليقين به بل من جهة اليقين بما يلازمه والمفروض عدم تعلَّق التّنزيل به حتّى يرجع إلى جعل الأحكام الشّرعيّة المترتّبة عليه وعدم صدق نقض اليقين المتعلَّق بالملزوم بالشّك على ترك الالتزام به فلا معنى للحكم بتعلَّق الجعل بالنّسبة إليه هذا مجمل القول في تقرير الدّليل على الجزء الأوّل من المدّعى
ولنا على الثّاني أي الحجيّة بالنّسبة إلى الآثار المترتّبة على المستصحب بواسطة خفيّة سواء كانت عقليّة أو عادية صدق النّقض على ترك الالتزام بها عرفا بحيث لا يعتريه شكّ وهذا هو الفارق بين ما له الواسطة الخفيّة والجليّة إذ لا ملازمة بين صدق النّقض على ترك الالتزام بالأوّل وبين صدقه على ترك الالتزام بالثّاني ضرورة اختلاف الصّدق العرفي بحسب المقامات
نعم ؛ لو قيل بأن جعل الحكم المترتب على موضوع ووجوب الالتزام به لا يعقل إلَّا بعد وجود واقعيّ لموضوعه أو جعليّ بأن يقع موردا للتّنزيل الشّرعي حسب ما ربما يستفاد من كلام الأستاذ العلَّامة في طيّ الجواب عن السّؤال بقوله فإن قلت الظَّاهر من الأخبار وجوب أن يعمل الشّاك إلخ كان سؤال الفرق بين القسمين متوجها إلَّا بأن يلتزم برجوع الجعل فيما كان له واسطة خفيّة إلى نفس الواسطة أيضا ؛ فتأمّل
وهذا الَّذي ذكرنا هو عمدة الوجه في اعتبار الاستصحاب بالنّسبة إلى الوسائط الخفيّة وقد ذكر بعض أفاضل مقاربي عصرنا وجوها أخر لاعتبار الاستصحاب بالنّسبة إلى جملة من أمثلة الفرض حيث قال بعد جملة كلام له ساقها في بيان إثبات عدم اعتبار الأصل المثبت ما هذا لفظه وأمّا التّعويل على أصالة عدم حدوث الحائل على البشرة في الحكم بوصول الماء إليها في الوضوء والغسل وعلى أصالة عدم خروج رطوبة لزجة كالودي بعد البول في إزالة عينه بالصّب مع كون الأصل في المقامين مثبتا لأمر عادي فليس لأدلَّة الاستصحاب بل لقضاء السّيرة والحرج به مضافا في الأخير إلى إطلاق الأخبار الدّالَّة على كفاية الصّب مطلقا انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه وأنت خبير بضعف هذه الوجوه كلَّها أمّا السّيرة فلأنّها ناشئة من عدم المبالاة على تقدير تسليمها وأمّا لزوم الحرج فلتوجّه المنع إليه سيّما في المثال الأخير وأمّا التّمسّك بالإطلاق فلأنّ الإطلاق في المقام وارد لبيان حكم
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 131
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٣١