تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
الكتاب العزيز والقرآن العظيم والفرقان الكريم المنزل من ربّ العالمين على خاتم الأنبياء والمرسلين وما ورد من نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وأهل بيته المعصومين المطهّرين ومن المعلوم أنّ كلّ أحد يتفحّص عن الدّليل في الكتاب والسّنة وعن الثّاني بمنع الانصراف فتدبّر قوله : ويرد عليه بعد الإغماض إلى آخره أقول : لا يخفى عليك أنّه شاع بين المتأخّرين من الأصحاب على ما وقفنا عليه من كلامهم التّمسك بالآية بضميمة الاستصحاب على أنّ الأصل في الواجب أن يكون تعبّديّا مشروطا صحّته على قصد القربة والامتثال وبين جماعة من المتقدّمين على ما حكاه الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه العالي التّمسك بها على اشتراط الخلوص في النّيّة بمعنى خلوّها عن الضّمائم من الرّياء وغيره وتقريب الاستدلال بها على اشتراط الخلوص في النّية ظاهر غير محتاج إلى البيان بعد جعل المراد من الإخلاص هو تنزيه العمل من الرّياء ونحوها وجعل الدّين عبارة عن القصد وأمّا تقريب الاستدلال بها على المطلب الأوّل فيكون من وجهين أحدهما : استظهار ذلك من لفظ الخلوص من باب المطابقة أو من باب الأولويّة ودلالة الأخص على الأعمّ بعد جعل اللَّام للغاية فتدلّ على ثبوت الملازمة في الشّريعة السّابقة بين وجوب شيء واشتراط قصد القربة في صحّته فيستصحب هذه الملازمة ويحكم ببقائها في شريعتنا أيضا حسب ما هو المحكيّ في وجه الاستدلال ثانيهما : استظهاره من لفظ نفس العبادة مع قطع النّظر عن قوله مخلصين له الدّين بناء على عدم تحقّقها بدون التّقريب حيث إنّ الإتيان المأمور به على قسمين أحدهما : ما يقتضي مجرّد رفع العقاب كالإسقاط الَّذي ليس من إتيان المأمور به في شيء لكن لا يحصل به الغرض من المأمور به فيقتضي سقوطه ورفع العقاب عن تركه حيث علم أنّ المقصود أعمّ من المطلوب وهذا ليس من الإطاعة والامتثال في شيء وليس المكلَّف مستحقّا للثّواب في شيء وهذا المعنى لا يحتاج إلى قصد القربة أصلا بل يكفي مجرّد إتيان المأمور به بأيّ وجه اتّفق وهو لا يتحقّق إلَّا في الواجبات التّوصّليّة ثانيهما : ما يقتضي استحقاق الأجر والثّواب وهو لا يعقل تحقّقه بدون قصد الإطاعة كما لا يخفى والعبادة ما لا ينفكّ عن هذا المعنى ففي أصل العبادة مأخوذ قصد التّقرب فيكون الحال حينئذ على تقدير كون معناها قصد التّقرب مؤكَّدة لا منتقلة كما لا يخفى هذا بل ربما يقال إنّ العبادة لا يتحقّق مع الضّميمة فالاستدلال بها على المطلب الثّاني أيضا لا يحتاج إلى التّمسّك بلفظ الإخلاص فالحال مؤكَّدة مطلقا ولكن فيه ما لا يخفى سيّما بناء على تعميم الضّميمة هذا ملخّص ما يستفاد من كلامهم في تقريب دلالة الآية على المدّعى ولكنّك خبير بما في الاستدلال بها على المطلبين لعدم دلالتها على شيء منهما أمّا أوّلا : فلأنّ الظَّاهر من اللَّام في قوله ليعبدوا اللَّه هي لام الإرادة الَّتي تدخل على المفعول به والمراد كما في قوله ليذهب عنكم الرّجس وليبيّن لكم ونحوهما ويشهد له مضافا إلى ظهور هذا المعنى منها في أمثال المقام عطف قوله وليقيموا الصّلاة الآية وبالجملة استعمال اللَّام في هذا المعنى كثير في الغاية في الكتاب والسّنة والعرف ويشهد له السّياق وذيل الآية فلا بدّ من أن يحمل عليه والمراد من العبادة ليست هي العبادة الَّتي في مقابل المعاملة بل المراد هي العبوديّة أي وما أمروا إلَّا بجعل عبوديتهم للَّه والمراد من الإخلاص ليس قصد القربة في الواجب ولا تنزيه العمل من الرّياء ونحوه بل عدم الشّرك به وجعل الشّريك له في العبوديّة فالآية تدلّ على وجوب التّوحيد عليهم لا على وجوب قصد القربة عليهم في كلّ واجب أو تنزيه القصد من الرّياء ونحوها من الضّمائم والمراد من الدّين ليس هو القصد إذ لم يثبت استعماله فيه أصلا بل المراد منه إمّا خصوص الأصول كما هو الظَّاهر أو هي مع الفروع فالآية مشتملة على بيان تكليفهم بأصل الأصول وعمود الفروع فلا دخل لها بالمقام أصلا كما لا يخفى ويشهد لما ذكرنا أمور أحدها ظهوره من الآية بالبيان الَّذي عرفته مضافا إلى ملاحظة صدرها ثانيها دلالة كثير من الآيات الَّتي فيها لفظ الإخلاص بل لم يوجد آية مشتملة عليه وكان المراد منها غيره كما في قوله تعالى ألا للَّه الدّين الخالص وقوله قل اللَّه أعبد الآية وغيرهما ثالثها تفسير المفسّرين فإنّهم فسّروها بما ذكرنا كما يعلم من الرّجوع إلى كتب التّفسير للخاصّة والعامّة لا يقال : كون المراد من الإخلاص ما يقابل الشّرك لا ينافي الاستدلال بها على وجوب خلوص العمل من الضّمائم سيّما الرّياء فإنّه قد ورد أنّه من الشّرك الخفي لأنّا نقول : قد عرفت أنّ المراد من الآية بملاحظة صدرها وذيلها ونظائرها وما ورد في تفسيرها ليس وجوب العمل على وجه الإخلاص وعدم الشّرك في العمل حتّى يقال إنّ الرّياء أيضا نوع من الشّرك بالمعنى الأعمّ بل المراد منها وجوب التّوحيد واختيار عبوديّة اللَّه معتقدين بعدم الشّريك له حيث إنّ المأمور فيها هم الكفّار المعتقدون بأنّ له جلّ شأنه وعزّ اسمه شريكا يشفع لهم عنده تعالى ومن المعلوم أنّ ضمّ غير عنوان المأمور به إليه في القصد ولو كان رياء ليس شركا باللَّه بمعنى الاعتقاد بغيره وجعله مستحقّا لأن يعبد كما لا يخفى وإلَّا وجب الحكم بكفر من كان هذا شأنه كما في أكثر النّاس إن لم يكن جلَّهم وإن كان شركا بمعنى آخر لا ينافي الإيمان وعليه يحمل ما ورد في بعض الأخبار وأمّا ثانيا : فلأنّه على فرض تسليم كون المراد من الإخلاص ما هو