ما اشتهر أنّ هذه الشّريعة إلخ
أقول : حاصل ما ذكره دام ظلَّه هو أنّ المراد من كون شريعة خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ناسخة لجميع الشّرائع أمّا نسخها لجميع الأحكام الثّابتة في الشّريعة السّابقة ولو بتغيير في متعلَّقاتها شطرا أو شرطا أو بعضها أو جميعها من حيث كيفيّة الالتزام بمعنى وجوب الالتزام بكلّ حكم من حيث إنّه جاء نبيّنا به وإن كان بعضها ممّا جاء به النّبي السّابق أيضا فإن كان المراد الأوّل ففيه أنّ دعوى كون شريعة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله ناسخة لجميع أحكام الشّريعة السّابقة فاسدة بالإجماع بل يمكن دعوى الضّرورة على فسادها ويشهد له الآيات والأخبار أيضا فمن الآيات قوله تعالى وأحلّ لكم بعض الَّذي حرّم عليكم
فتدبّر ؛ وقوله تعالى كتب عليكم الصّيام كما كتب على الَّذين من قبلكم الآية ؛ فتأمّل
وغيرهما ومن الأخبار ما ورد عنهم المرويّة في الاحتجاج ممّا تدلّ على أنّ جملة من المحرّمات كشرب الخمر واللَّواط ونكاح المحارم وغيرها كانت محرّمة في جميع الشّرائع بل العقل يستقلّ بثبوت بعض الأحكام في جميع الشّرائع كالمستقلَّات العقليّة وبالجملة لا إشكال في فساد هذه الدّعوى وإن كان المراد الثّاني ففيه أنّ الشّبهة إن لم تصل إلى حدّ الشّبهة المحصورة بل كانت غير محصورة فلا إشكال في عدم قدح العلم الإجمالي فيها وعدم إيجابه سقوط الأصل عن الاعتبار وإن كانت محصورة فالمتيقّن من المعلوم بالإجمال ما علم تفصيلا بالدّليل وأمّا الزّائد عليه فلا يعلم به فيحكم ببقائه بحكم الاستصحاب
فإن قلت : الزّائد عليه وإن لم يتعلَّق به العلم بخصوصه إلَّا أنّه من أحد أطراف العلم وهو يكفي في إسقاط الاستصحاب بالنّسبة إليه غاية الأمر تردّد الأمر في المعلوم بالإجمال بين الزّائد على القدر المعلوم بالدّليل وبين ما علم به ومجرّد هذا التّردّد لا يخرج الزّائد عن أطراف العلم الإجمالي حتّى يعمل فيه بالاستصحاب
قلت : قد عرفت غير مرّة في الجزء الثّاني من التّعليقة بل في الجزء الأوّل أيضا أن تردّد المعلوم بالإجمال بين الزّائد والنّاقص لا يؤثّر شيئا بالنّسبة إلى المقدار الزّائد بل لا بدّ من الرّجوع فيه إلى الأصل الموجود فيه من البراءة أو الاستصحاب لرجوع الشّك فيه إلى الشّك
البدوي
فإن قلت : ما ذكر إنّما يستقيم فيما احتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيما علم تفصيلا وليس الأمر كذلك في المقام لأنّا نعلم بنسخ كثير من الأحكام السّابقة والمعلوم منها تفصيلا قليل في الغاية فيعلم بوجود المنسوخ في غيره
قلت : أوّلا نمنع من كون المعلوم بالإجمال زائدا على ما وقفنا عليه ودعوى العلم بذلك مجازفة لا شاهد لها أصلا وثانيا سلَّمنا كونه زائدا عليه ولكن من الواضح البديهيّ أنّه ليس بأزيد من جميع الأحكام المعلومة في شرعنا فإنّها من أطراف العلم الإجمالي أيضا فإذا وجب الأخذ بها سواء كانت ناسخة أو لم يكن ثمّة مانع من الرّجوع إلى الأصل بالنّسبة إلى مشكوك البقاء حيث إنّه من أطراف العلم لا من موارده وهذا مع وضوحه قد أشبعنا القول فيه في مطاوي كلماتنا في أجزاء التّعليقة وأنّ العلم الإجمالي إنّما يؤثّر في سقوط الأصل من الاعتبار فيما لم يجب الالتزام بمقتضاه في بعض الأطراف من جهة أخرى فالرّجوع إلى الأصل في المشكوكات لا مانع عنه بعد فرض وجوب الالتزام بسائر الأطراف من جهة العلم التّفصيلي المتعلَّق بها والمقام نظير ما إذا علم بطهارة أشياء ثمّ حصل العلم بنجاسة بعضها الغير المعيّن الموافق من حيث المقدار للمعلوم بالإجمال واحتمل كونه هو المعلوم بالإجمال فإنّه لا إشكال في جواز الرّجوع إلى استصحاب الطَّهارة في باقي الأطراف لأنّ الأصل فيه لا يعارض الأصل فيما علم بنجاسته بعدم الاحتياج في الحكم بنجاسته ووجوب الاجتناب عنه إلى إثبات كون النّجاسة الواصلة إليه غير النّجاسة الَّتي علم بها إجمالا
فإن قلت : قد ذكرت في الجزء الثّاني من التّعليقة أنّ حصول العلم بمثل المعلوم بالإجمال في ضمن بعض الأطراف معيّنا بعد العلم الإجمالي لا يوجب جواز الرّجوع إلى الأصل في غيره من أطراف الشّبهة كما إذا علم بوصول النّجاسة إلى بعض معين من الأواني الَّتي علم بوصول النّجاسة إلى بعضها الغير المعيّن لأنه يجب الاجتناب عن غيره وإلَّا أمكن التّفصّي عن وجوب الاحتياط عن الشّبهة المحصورة في غالب الموارد بتنجيس بعض معيّن من أطرافها
قلت : ما ذكرنا ثمّة إنّما هو فيما لو علم بوصول النّجاسة إلى بعض معيّن من أطراف الشّبهة غير
ما علم به إجمالا لا ما إذا علم بنجاسة بعضها المعيّن بعد العلم الإجمالي واحتمل انحصار كونها المعلوم بالإجمال فيه فإنّه لا يجب الاجتناب حينئذ عن باقي الأطراف ؛ فتأمّل
والمقام من هذا القبيل وبالجملة المدّعى عدم الاحتياج إلى الأصل في وجوب الالتزام بالنّسبة إلى الأحكام المعلومة في شريعتنا لا أنّا نقطع بكونها من الأحكام الباقية الغير المنسوخة
فإن قلت : ما ذكر إنّما يستقيم فيما لم يترتّب هناك أثر بالنّسبة إلى ما علم ثبوته في شرعنا من الأحكام من حيث كونها غير منسوخة وإلَّا فيحتاج إلى إجراء الأصل بالنّسبة إليها لا محالة فيقع التّعارض مع الأصل في الأحكام المشكوكة فيتساقطان أو يحكم بعدم جريانها في هذا الفرض نظرا إلى أحد المسلكين في كيفيّة تأثير العلم الإجمالي
قلت : لا معنى لمنع جريان الأصل في الأحكام المعلومة في شريعتنا على تقدير ترتّب أثر على كونها من الأحكام الغير المنسوخة لأنّ من الالتزام بهذا الأثر لا يلزم شيء أصلا والعلم الإجمالي لا أثر له بالنّسبة إليه جزما وإنّما أثره المنع من إثبات وجوب الالتزام ببعض الأحكام في شريعتنا فيما لو توقّف وجوب الالتزام به
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 124
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٢٤