تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 5

مساهمون:

ص٥

والتّخيير بين الوجوب والتحريم كما هو واضح فاختلافها إنّما يجدي في دفع الإشكال فيما لو أوجبت اختلاف الحكم وهو غير واقع بل غير ممكن فالإشكال متوجّه جدّا فتأمّل فالأولى تقييد عدم إمكان الاحتياط في مجرى التّخيير بحيثيّة دوران الأمر بين المحذورين أي الوجوب والتحريم وأمّا عند دوران الأمر بين الوجوب والتحريم فبأنّ الَّذي عليه المشهور من غير إشكال عندهم فيه بل عليه الأستاذ العلَّامة قدس سره في هذه الرّسالة أخيراً في غير الشبهات الموضوعيّة التخيير لا البراءة وإن كان مختاره في رسالة أصالة البراءة التّوقف وعدم الالتزام بحكم ولو ظاهراً لا التخيير ولا الإباحة والبراءة وعليه أيضاً لا يرد إشكال على مجرى البراءة وإنّما ينتقض مجرى التخيير عكسا في الجملة فتأمّل فإن شئت قلت إنّ مبنى الحصر الَّذي أفاده على ثبوت أصالة التخيير في الشبهات الحكميّة ومبنى الإشكال المذكور على نفيها فتأمّل ( 1 ) وأمّا عن انتقاض مجرى كلّ واحد من البراءة والاحتياط طرداً بمجرى التّخيير وانتقاضه عكساً بمجراهما في الشك النّاشئ من تعارض النصّين المتكافئين فبأنّ التخيير بين النصّين المتكافئين تخيير في المسألة الأصولية وليس من الأصول العمليّة في شيء كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلَّه إن شاء اللَّه تعالى ولذا يكون جاريا في مجرى الاستصحاب ومانعاً عن جريانه هذا وأمّا عن انتقاض كلّ من مجرى البراءة والاحتياط بالآخر فبأنّ القائل بالبراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر يرجع الشك لا محالة إلى الشكّ في التكليف فتدبّر وأمّا عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الغير المحصورة فلقيام الدليل الخاصّ على قناعة الشارع عن الحرام الواقعي ببعض محتملاته وهذا ليس من الرجوع إلى البراءة في شيء فتأمّل وانتظر لتمام الكلام في محلَّه وأمّا رجحان الاحتياط في الشك في التكليف بعد الفحص حتّى مع وجود الطَّريق الشرعي على نفي الإلزام فلا يرد نقضاً لأنّ الكلام في الاحتياط اللَّازم وبعبارة أخرى الكلام إنّما هو في مجرى أصالة الاشتغال فتدبّر وأمّا لزومه في الشّك في التّكليف قبل الفحص فيمكن منعه بأنّ المورد مورد البراءة غاية الأمر كونها مشروطة بالفحص كسائر الأصول الحكميّة غير الاحتياط على التحقيق فيجب على الفحص على تقدير إرادة العمل بأصالة البراءة إلا أنّه يجوز له العمل بالاحتياط من دون فحص ؛ فتدبّر نعم يمكن أن يقال فيما يعلم المكلَّف بحصول العلم له بعد الفحص بعدم مورد للبراءة فيه لا قبل الفحص ولا بعده اللَّهم إلَّا أن يقال إنّ المورد مورد البراءة غاية الأمر أنّه يرتفع موضوع البراءة بعد الفحص فتأمّل ومنه يعلم الكلام في مسألة النّظر في المعجزة لأنّ نفي وجوب النّظر يتوقف على الفحص عن وجوبه المتوقف على معرفة النّبي فتدبّر وليته حرّر المقام كما حرّره في رسالة أصالة البراءة فإنّه سليم عن هذه المناقشة وجملة من المناقشات وإن لم تخلو عن مناقشات غير مخفيّة على الرّاجع إلى ما ذكرنا في المقام قوله قدس سره : أمّا القطع فلا إشكال في العمل به ما دام موجوداً لأنّه طريق بنفسه إلى الواقع وليست طريقيّته قابلة لجعل الشّارع إثباتا ونفياً أقول : ما أفاده قدس سره من الواضحات التي لا ينبغي الارتياب فيها على وجه لا يحتاج إلى البيان لأنّ كل معلوم الطَّريقيّة إنّما يصير معلوماً بالعلم فلا محالة يكون معلوميّة العلم بذاته فنسبته إلى معلوم الطَّريقيّة نسبة الوجود إلى الموجودات وبعبارة أخرى طريقيّة كلّ شيء واعتباره ثبت بالعلم فلا بدّ من أن يكون طريقا بذاته نظير الوجود للواجب وإن كان بينهما فرق في الذّاتيّة لأنّ طريقيته بغيره محال ظاهر وطريقيته بدليل علمي مستلزم للتّسلسل وببالي أنّه قد جرى ذكر ما ذكرنا في بعض كلمات الأساطين من أهل المعقول فبعد ما فرض كون الطريقيّة لازما للعلم وواجباً له فلا يعقل نفيه عنه وإلَّا لزم تخلَّف الذّاتي وبعبارة أخرى الحكم بالعدم إنّما يتصوّر في الممكن لا الواجب فلا يحتاج إذا للاستدلال لعدم قابليّة التّصرف نفيا بلزوم التناقض هذا وما عرفت من المسلَّمات عند الأصحاب حتّى أنّه يظهر تصريحا وتلويحا من كلمات الشّيخ في العدّة فراجع كلماتهم عند التكلَّم في الأدلَّة القطعيّة كالتواتر والإجماع ودليل العقل حتّى القياس المفيد للقطع فإنّها تنادي بأعلى صوتها أنّ كلامهم فيها إنّما هو في إثبات الصّغرى في مقابل المنكر لحصول القطع منها نعم ؛ هنا شبهة لجمع من أصحابنا الأخباريّين في القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة ليست ناظرة إلى نفي ما ذكر كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى فإن شئت رفع الحجاب عن تمام وجه المرام فاستمع لما يتلى عليك في تحقيق المقام بعبارة أخرى متأمّلا فيها كمال التّأمل فنقول : إنّ اعتبار العلم بالنّسبة إلى الالتزام بالمعلوم والأحكام المترتّبة على متعلَّقه مع قطع النّظر عن تعلَّق العلم به كما هو المفروض لو كان جعليّا وبإنشاء الشّارع بحيث لولاه لم يكن ثابتا له كما يزعمه القائل بالجعل ويقول بمثله في الظَّن فلا محالة لا بدّ أن يكون هناك قضيّتان إحداهما ما ثبت الحكم فيه لذات الشّيء مع قطع النّظر عن تعلَّق العلم ومن غير مدخليّة له فيه فثبوته النّفس الأمري تابع لتحقّق موضوعه في نفس الأمر من غير مدخليّة للعلم أصلا فإذا علم المكلَّف بثبوت مثل هذه القضيّة في الشّرع في مورد من الموارد وعلم بتحقّق موضوعها فيعلم بترتّب المحمول قهراً فيحمله عليه لا باختياره فبالنّسبة إلى هذه القضيّة والحكم الثّابت فيها لا يعقل أن يكون للعلم مدخل فيها بحيث لولاه لم يكن مترتّبا وبعده يكون مترتّبا بإيجاب موجب وإلَّا لزم الخلف كما هو واضح ثانيتهما ما كان ثابتا للعلم بالشّيء من غير مدخليّة له إلَّا من حيث تعلَّق العلم به وهي القضيّة الَّتي يحكم فيها بوجوب العمل بالعلم واعتباره وحجيّته على تقدير إمكان الجعل فإنّ معنى جعل العلم طريقا والحكم باعتباره و

هامش
( 1 ) وجه التأمل إ ورود الاشكال لا يوجب نفي أصالة التخيير في الشبهات الحكمية غاية ما هناك اختصاص موردها بما إذا كان المحتملان أي الوجوب والحرمة تعبديين فافهم منه دام ظله العالي
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 5 | ميرزا محمد حسن الآشتياني