المختصّة بهم ولذا كانا يعاملان مع من يظهر الإسلام معاملته مع العلم بكونه كافرا واقعا وقال صلى الله عليه وآله إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان وإن كانا قد يترتّبانها في مورد علمهم بها منها
وبالجملة الغرض منع الاطَّراد وبه يبطل ما ذكر من كون الطَّريقيّة ذاتيا ضرورة استحالة تخلَّف الذاتي وبعد التّسالم على ما ذكر لا بدّ من الالتزام بكون الطَّريقيّة للعلم ممّا أعطاه الشّارع فيقبل اعتباره التفصيل بحسب الخصوصيات هذا ولكنك خبير بفساد هذه الشّبهة وانبعاثها من قلَّة البضاعة في العلم لأنّهما بالنّظر إلى ما يرجع إلى أنفسهما ممّا يختصّ بهما كانا يعملان بمقتضى علمهما بالواقع جدّا بأيّ وجه حصل وليس هنا ما يقضي بخلافه بل مقتضى الأدلَّة ما ذكر
وأمّا بالنّسبة إلى ما يتعلَّق بالغير من قبيل الحكم بإسلام المنافق فلم يتخلَّفا عن مقتضى الواقع أيضا فإنّ الموضوع الواقعي لأحكام الإسلام الدّنيوية في ذلك الزّمان هو إظهار الشّهادتين وإن كان المظهر غير معتقد بل مؤذيا للنّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وعدوّا له فربما كان العلم بحال الرّجل من كونه منافقا حاصلا من الأسباب المتعارفة بل لغير النّبي صلى الله عليه وآله والوصيّ ومع ذلك يعامل معه معاملة المسلمين فحال هؤلاء حال أهل الخلاف عند المشهور فهذا لا يرد نقضا جدّا
وأمّا ما لا يكون من هذا القبيل كعدم إجراء الحدود والحكم بمقتضى علمهما بالواقع من الأسباب الإلهيّة فأمره كذلك عند التّأمّل فإنّا نمنع أوّلا من كون إجراء الحدّ والحكم من أحكام نفس الواقع بل لعلّ للعلم مدخلا فيه فيخرج عن الفرض لأنّ انكشاف العلم عن متعلَّقه وطريقيّته له وإن كان من لوازم ذاته إلا أنّه إنّما يجدي فيما لو كان الحكم الشرعي من لوازم متعلَّقه بعنوان الإطلاق وثانيا من كونهما من أحكام الواقع بما هو واقع بعنوانه التجريدي الإطلاقي ولعلّ لبعض الخصوصيات المتقوّم به المصلحة ولو كان هو الزّمان مدخلا فيه لأنّ الحكم ليس من لوازم الواقع كيفما اتّفق وإلَّا لم يعقل النسخ في الشّرائع كما هو واضح ومن هنا يقتضي المصلحة عند ظهور الإمام عجّل الله فرجه وصلَّى اللَّه عليه وعلى آبائه الطَّاهرين حكمه بعلمه فيخرج الفرض عن موضوع البحث أيضا لأنّه فيما كان الحكم ثابتا لمتعلَّق القطع بقول مطلق كما هو ظاهر
فتدبّر فإن شئت قلت إنّ التكليف ليس تابعا لجهات المكلَّف به دائما بل قد يكون تابعا لجهات فيه وبعبارة
أخرى قد يكون للحكم بالواقع مفسدة أولى بالمراعاة من مصلحة نفس الواقع وإحقاق الحقّ
فتأمّل هذا وأمّا حكمهما عليهما السلام في الوقائع بالبيّنة والأيمان فلا يلازم كونه على خلاف علمهما كيف ولا شاهد له أصلا بل التحقيق كونه على طبق الواقع دائما ضرورة امتناع جعل الحكم الظاهري في حقّهما كامتناع الأمر بخلاف الواقع في حق كلّ أحد
وبالجملة لم يثبت في مورد من موارد قضاء النّبي أو الوصيّ بالبيّنة أو اليمين على ما يقضي بهما غيرهما وإن أبيت إلَّا عن ظهور أدلَّة البيّنات والأيمان في ذلك فلا بدّ من صرفها لعدم إمكان تعارض الظَّاهر مع البرهان القطعي كما هو ظاهر
ومنها أنّه ينافي ما عليه بعض الأصحاب كما حكي من عدم جواز حكم القاضي بعلمه في الجملة مع أنّه لم يرتكب أمرا غير معقول عند أحد من الفقهاء هذا ولكنّك خبير بما فيه أيضا فإنّ من كان هذه مقالته يزعم أنّ القضاء ليس من أحكام نفس الواقع بما هو واقع بل إنّما هو من أحكام الواقع المقيّد وبعبارة أخرى من أحكام الواقع الَّذي قام عليه البيّنة أو حلف عليه فهذا كما ترى أجنبيّ عن موضوع البحث ومن يرى كونه من أحكام نفس الواقع دائما جعل ميزان القضاء في حق الجاهل طريقا إليه كما هو الحقّ وعليه المشهور فهو قائل بما ذكرنا جدّا فالبحث معه يرجع في الحقيقة إلى البحث في الصّغرى ومن هنا يظهر الكلام فيما ذكروه في باب القضاء من عدم جواز قضاء الحاكم بعلمه في حقوق اللَّه
ومنها أنّه ينافي ما ذكره غير واحد من الأصحاب بل هو من المسلَّمات عندهم ظاهرا من أنّ الوسواسي القاطع لا يعمل بقطعه ولا يترتب أحكام الواقع عليه حسما لمادّة مرضه ولكنّك خبير بفساده أيضا فإنّه لا تعلَّق له بموضع البحث حقيقة فإنّه من ارتكاب أقلّ القبيحين فيرجع إلى التصرف في الواقع فإنّه يقال إنّ البول مثلا في حقّه ليس ممّا يجب اجتنابه ويجوز شربه من باب الضّرورة ودفع المرض كالمضطرّ إلى شربه
فتدبّر ولكن ستسمع منه قدس سره أنّ المنع عن العمل بالقطع في حقّه إنّما يتصوّر في حقّ الغافل عمّا يقضي به بديهة عقله
فافهم وتأمّل حتّى لا يختلط عليك الأمر
قوله قدس سره : ومن هنا يعلم أنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعا لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط الَّذي يحتج به على ثبوت الأكبر للأصغر إلى آخره
أقول : ما أفاده قدس سره يرجع إلى مسألة لفظيّة لا تعلَّق له بما بيّنه أوّلا من كون اعتبار العلم معلَّلا بذاته بالنّسبة إلى الحكم المترتّب على متعلَّقه ككشفه عنه والوجه في استكشافه عنه على تقدير كون الحجّة بمعنى الوسط وسبب العلم بالشيء وإن كان سببا لحصوله أيضا هو ما عرفت الإشارة إليه في وجه استحالة تصرّف الشّارع في العلم إثباتا ونفيا من أنّ القاطع فيما لو كان الحكم متعلَّقا بالواقع يترتّب القياس قهرا ويجعل الوسط نفس الواقع لا العلم به
ثمّ إنّ ما أفاده قدس سره من كون إطلاق الحجّة على القطع من باب التّوسع والتّسامح ممّا لا يعتريه ريب بأيّ معنى فرض للحجّة سواء جعل القول المركَّب أو الحدّ الوسط أو شيء آخر إلَّا أنّه قد يناقش فيما أفاده في معنى الحجّة لأنّ الحجة عند أهل الميزان عبارة عن القول المركَّب باتفاق كلَّهم ظاهرا والدّليل أخصّ منه عندهم والبرهان يرادفها وإن كان الَّذي عليه جمع من أساطين أهل المعقول كون البرهان عبارة عن الحدّ الوسط الَّذي يكون وسطا للثّبوت وكيف كان ظاهر الكتاب بيان ما هو المصطلح عند أهل الميزان
نعم ؛ حكي عن بعض المنطقيّين إطلاقها على الوسط عندهم ولم يثبت لغيرهم اصطلاح في لفظ الحجّة وإن كان للأصوليّين اصطلاح خاصّ في
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 7
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٧