تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
التعبد على ما هو التحقيق فيرجع إلى الاستصحاب ويدخل فيه لأنّ المراد بها استصحاب العدم إذ لا مدرك لها غير أخبار الاستصحاب ودعوى بناء العقلاء عليها من باب التعبد العقلائي كما قد يسمع من طلبة أهل العصر ومن يحذو حذوهم فاسدة جدّا إذ بناء العقلاء على سلوك ما ليس بكاشف أصلا من غير إيجابه من المولى ممّا يشهد الوجدان بفساده بل ربما يقال بعدم إمكانه وليس ببعيد فتدبّر ومنه يظهر حال أصالة عدم الدّليل دليل العدم لو قيل باعتبارها من باب التعبد وإن كان في غاية الضّعف وإن قال به بعض أفاضل مقاربي عصرنا نظرا إلى استفادته من قوله صلى الله عليه وآله رفع ما لا يعلمون ونحوه كالأصل السّابق وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللَّه تعالى في محلَّه وأمّا أصالتي الحظر والإباحة على القول بكون البحث في الظاهرتين منهما فيرجعان إلى الاحتياط والبراءة وكذلك أصالة الحلّ بناء على إرادة الحلَّية الظاهريّة منها فإنّها يرجع إلى أصالة البراءة حيث إنّها فرد منها كما لا يخفى ومن ذلك كلَّه يظهر حال أصالة نفي الأكثر فإنّه لا بدّ أن يرجع إلى الاستصحاب أو إلى أصالة البراءة وإلَّا فليس بشيء كأصالة أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة فإنّها نوع من الاحتياط فتأمّل على ما ستقف عليه في طيّ المباحث الآتية إن شاء اللَّه تعالى فقد ظهر ممّا ذكرنا كلَّه حال جميع الأصول المذكورة وغيرها غير أصالة الطَّهارة على ما هو المشهور من جريانها في الشبهة الحكميّة والموضوعيّة معاً وإن ذهب بعض المحقّقين إلى اختصاصها بالموضوعيّة فإنّها لا يرجع إلى أحد الأصول الأربعة ولها مستند من الأخبار مغاير لمدارك سائر الأصول كقوله كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر ولكن يمكن التفصّي عن الإشكال بسببها على ما صرّح به قدّس سرّه في مجلس البحث بإرجاعها إلى أصالة البراءة على القول بعدم الجعل في الأحكام الوضعيّة كما استقرّ عليه رأي المحقّقين واختاره قدّس سرّه في باب الاستصحاب فإنّ النجاسة منتزعة بناء عليه عن وجوب الاجتناب والطَّهارة عن عدم وجوب الاجتناب وجواز التصرّف على ما ذكره الشهيد قدّس سرّه فالمراد بأصالة الطَّهارة أصالة البراءة عن وجوب الاجتناب وأصالة إباحة التصرّفات فافهم واغتنم هذا بعض الكلام في بيان الإشكال الأوّل ودفعه وأمّا الإشكال الثاني وهو الإشكال المتوجّه على بيان مجاري الأصول فبيانه أنّه لا شبهة في أنّ مرجع ما أفاده قدّس سرّه في بيان مجرى كلّ واحد منها إلى كلَّيتين وبعبارة أخرى إلى الحدّ التام كما هو ظاهر فما أفاده لمجرى الاستصحاب يرجع إلى أنّه لا استصحاب إلَّا ويجري في الشك الَّذي يلاحظ فيه الحالة السّابقة سواء كان الشّك في التكليف أو المكلَّف به أمكن فيه الاحتياط أم لا وليس الشك الَّذي يلاحظ فيه الحالة السابقة إلَّا ويجري فيه الاستصحاب دون غيره وهكذا ما أفاده في بيان مجاري سائر الأصول وهذا كما ترى إنّما يستقيم في خصوص مجرى الاستصحاب على التحقيق وإن كان قد يناقش فيما أفاده بالنّسبة إلى مجرى الاستصحاب أيضاً بأنّ ملاحظة الحالة السّابقة إنّما يعتبر في الاستصحاب وجريانه لا في مجراه ومحلَّه فإنّه لا يعتبر فيه إلَّا الوجود في السّابق والشك في اللَّاحق فعلى هذا يصير مجراه أعّم من جهة وإن كان أخصّ من جهة أخرى فتدبّر دون غيره فإنّ في دوران الأمر بين الوجوب والتّحريم وبين غيرهما من الأحكام الغير الإلزاميّة كالإباحة مثلا يرجع إلى البراءة اتّفاقا دون التّخيير مع أنّ مقتضى ما أفاده الرّجوع إلى التّخيير لا البراءة فينتقض الطَّرد من أحدهما : والعكس من الآخر وهكذا في دوران الأمر بين الوجوب والتّحريم فيما لا يوجب الالتزام بالإباحة مخالفة عمليّة على ما اختاره قدّس سرّه فيما سيجيء من الإباحة وهكذا في كلّ شبهة كان منشؤها تعارض النّصين والدّليلين مع تكافئهما وإمكان الاحتياط سواء كان الشك فيها شكَّا في التكليف أو المكلَّف به مع أنّ مقتضى ما ذكره الرّجوع إلى البراءة في الأوّل والاحتياط في الثّاني بل يمكن تصوير انتقاض الاستصحاب بالتّخيير في الفرض بعد إمعان النظر فتدبّر وفي دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر يرجع إلى البراءة على ما اختاره في أصالة البراءة وفاقا للمشهور لا الاحتياط مع أنّه من الشك في المكلَّف به على ما أفاده في تقسيم الشك في رسالة أصالة البراءة وهكذا في الشّبهة الغير المحصورة فيختلّ مجرى الاحتياط والبراءة طرداً وعكساً هذا مع أنّ من المسلَّمات عندهم وعنده عدم اختصاص مجرى الاحتياط بالشك في المكلَّف به كيف ويكون الاحتياط لازما قبل الفحص مع إمكانه رجاء لتحصيل العلم أو الدّليل وإن كان الشك في التكليف ومن هنا حكموا بعدم معذوريّة الجاهل المقصّر وبوجوب النّظر في المعجزة لاستقلال العقل في الحكم بوجوب دفع الضّرر المحتمل وإلَّا لزم إقحام الأنبياء وجعلوه مبنى وجوب شكر المنعم المتوقّف على معرفة المنعم فيجب نفس المعرفة مقدّمة وإن كان هناك وجه آخر أيضا لوجوب شكر المنعم غير قاعدة دفع الضّرر المحتمل بل قد حكموا برجحان الاحتياط في الشك في التكليف بعد التفحّص أيضاً فكيف يقال باختصاصه بالشك في المكلَّف به هذا ولكن يمكن التفصّي عن هذا الإشكال أيضا أمّا عن انتقاض مجرى التّخيير طرداً وعكساً بمجرى البراءة عند دوران الأمر بين حكمي الإلزاميّين وغيره فبأنّ الحيثيّة المسوّغة للرجوع إلى البراءة في الفرض هو عدم العلم بالتكليف والحكم الإلزامي ودوران الأمر بين الإلزام بقول مطلق وغيره من المعلوم إمكان الاحتياط بهذا اللَّحاظ باختيار جانب الإلزام كما في دوران الأمر بين الوجوب وغير الحرمة مثلا إلا أنّ الإلزام المطلق في المقام لما كان مردّداً بين النّوعين منه ولم يمكن الاحتياط بملاحظة هذه الحيثية فلا محالة يحكم بالتّخيير على تقدير اختيار المكلَّف جانب الإلزام احتياطا فباختلاف الحيثيّة يندفع الإشكال كما لا يخفى ولكن يمكن أن يقال إنّه لا يفيد اختلاف الحيثيّة أصلا فإنّ الحكم الظَّاهري في الواقعة ليست إلا الإباحة أو الجواز لا