تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
الدّليل على خلاف مصطلح أهل الميزان فإنّ الدّليل عندهم على ما عرفت الإشارة إليه عبارة عن المركَّب لا محالة وعند الأصوليّين حقيقة في المفرد كما يشهد له تعريفهم له بأنّه ما يمكن التّوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبريّ على ما هو الظَّاهر منه وصرّح به غير واحد منهم من أنّ مقتضاه كون الدّليل عندهم حقيقة في المفرد ومن هنا جعلوا الكتاب والسّنة والإجماع وحكم العقل من أقسام الدّليل فلو كان لهم اصطلاح خاصّ في لفظ الحجّة بأن يكون في عرفهم بمعنى الدّليل بالمعنى الَّذي عرفته لاستقام جعلها عبارة عن الوسط كما لا يخفى وهو ليس ببعيد وإن لم يصرّح به أحد فيما أعلم إلَّا أنّه لا يقدح بعد تكرّر استعمال اللَّفظ في كلماتهم وعدم إمكان إرادة المعنى المصطلح عند أهل الميزان في موارد الاستعمال فإنّه كثيرا ما يستكشف من كثرة الاستعمال وضع تعيّني وعلى تقدير عدم ثبوت الاصطلاح أمكن أن يقال إنّ المعنى الشّائع الظَّاهر لهذا اللَّفظ عند الإطلاق كلَّما استعمل في كلمات الأصوليّين هو الوسط لإثبات حكم المتعلَّق وهو قسم من حدّ الوسط بقول مطلق كما يصرّح به قدس سره بعد هذا عن قريب والحجّة بهذا المعنى لا يطلق على العلم حقيقة فتدبّر ويمكن أن يقال إنّ الحجّة في العرف واللَّغة ينطبق على ما أفاده فإنّها عبارة عمّا يحتجّ به فيهما ويدخل عليه كلمة لام فتأمّل لكن إرادته بعيد عن مساق كلامه قدس سره وكيف كان قد عرفت أنّ الحجّة بأيّ معنى لا يطلق على العلم حقيقة كما أنّك عرفت أنّ البحث في المسألة ممّا ليس له مزيد شأن لرجوعه إلى مسألة لفظيّة جزئيّة قد ساق قدس سره الكلام فيها لمناسبة استناد طريقيّة العلم واعتباره إلى ذاته فإنّه يتفرّع عليه عدم توسيط العلم لترتيب أحكام الواقع على المعلوم وهذا بخلاف غير العلم فإنّه لا بدّ من توسيطه لمكان عدم تبيّن الواقع به وإليه أشار بقوله في الفرق وهذا بخلاف القطع فإنّ توسيط العلم خلاف ما يقتضيه الفرض من ترتيب الحكم على متعلَّقه وإن كان في نظر القاطع من حيث انطباق المعلوم على الواقع إلَّا أنّه لمكان عدم انفكاك المعلوم عن الواقع لا من حيث هو هو وقد أسمعناك الوجه في كون الظَّن المعتبر وسطا دون العلم الطَّريقي وأوضحنا لك القول في ذلك بما لا مزيد عليه عند الكلام في كون اعتبار العلم ذاتيا واعتبار الظَّن جعليّا حيث أثبتنا أنّه ليس في مورد العلم إلَّا قضية واحدة وفي مورد الظَّن المعتبر لا بدّ أن يكون هناك قضيّتان نعم ؛ قد أشرنا ثمّة إلى أنّ معنى كون الظَّن وسطا لإثبات أحكام متعلَّقة بثبوتها في مرحلة الظَّاهر بواسطة الظَّن أو الحكم ظاهرا بثبوتها في نفس الأمر الَّذي يرجع إلى المعنى الأوّل ضرورة امتناع إثبات نفس الواقع بالظَّن وجعله وسطا له بعد فرض كون الحكم لذات المظنون مع قطع النّظر عن الظَّن كما هو المفروض وإلَّا لم يكن الظَّن طريقا كما هو واضح وإن شئت قلت إنّ المجعول في مورد الظَّن المعتبر أحكام شرعيّة مترتّبة على الظَّن من حيث كشفه عمّا يكون من نسخ الأحكام المذكورة من الأحكام الشّرعيّة المجعولة للموضوعات النّفس الأمريّة إذ كما يستحيل جعل الحكم الظَّاهري بالقضيّة الواقعيّة كذلك يستحيل جعل الحكم الواقعي بالقضيّة الظاهريّة فالمجعول في القضيّة الظاهريّة لا بدّ أن يكون حكما غير الحكم الواقعي ولذا لا يجزي عنه عند كشف خطاء الظَّن وهذا أمر ظاهر بعد التأمّل وممّا ذكرنا اندفع ما قد يقال من أنّه كما يقول القاطع بالخمريّة فيما لو كان الحكم الشّرعي مترتّبا على الخمر هذا خمر وكلّ خمر حرام يقال هذا معلوم الخمريّة وكلّ معلوم الخمريّة حرام فإنّه من حيث انطباق المعلوم على الواقع في نظر العالم كيف ولو لم يكن لأجل ما ذكر لم يكن معنى لتوسيطهما معا كما هو واضح ثمّ إنّه لما كان المقصود بالبحث على ما عرفت الإشارة إليه التّكلم فيما كان من الأحوال الثّلاثة متعلَّقا بالحكم الشّرعي على ما هو شأن الأصولي ومقتضى فنّه ذكر التّمثيل للمقام بقوله فإذا قطع بوجوب شيء إلخ وأردفه بالمثال في الموضوع توضيحا ومع ذلك العبارة لا تخلو عن شيء وقد تبيّن ممّا ذكرنا كلَّه المراد من نفي تعقّل إطلاق الحجّة على القطع وأنّ المراد الإطلاق على سبيل الحقيقة لا الإطلاق على الإطلاق ولعلّ اختيار هذا التّعبير مع عدم كونه شائعا في أمثال المقام وإن كان المعنى مستقيما حيث إنّ اللَّفظ الموضوع لمعنى يمتنع استعماله في غيره بعنوان الحقيقة كان من باب المبالغة والتّأكيد قوله قدس سره : هذا كلَّه بالنّسبة إلخ أقول : لا ريب في أنّ اعتبار العلم لنفسه أو للجعل كما سبق إلى بعض الأوهام إنّما يتعقّل فيما يترتّب على متعلَّقه حكم وإلَّا فلا معنى للتّكلَّم في اعتباره وإن كان كشفه عن متعلَّقه وطريقيّته إليه ذاتيّا فعلى هذا لو لم يترتّب الحكم الشّرعي على نفس متعلَّقه بل عليه بشرط تعلَّق العلم به بأن يكون له مدخل في موضوع الحكم واقعا فإنّه أمر معقول ادّعى وقوعه كما أنّه المراد من قوله قدس سره وإن كان ما ذكرنا من التعبير أوضح في تفهيم المراد فالجواز في كلامه مقابل الامتناع فالمراد به الإمكان بالمعنى الأعمّ فلا ينافي لزوم أخذه في الموضوع على هذا التّقدير لم يعقل التّكلَّم في اعتباره حينئذ فيصير حاله حال سائر ما له دخل في موضوع الحكم من أوصاف المكلَّف وغيرها من حيث التّمحض في الموضوعيّة وإن صحّ حمل الحجّة عليه بالمعنى المتقدّم لكونه وسطا حينئذ لا محالة كغيره ممّا له دخل في موضوع الحكم إلا أنّه لا يعقل البحث في اعتباره على ما عرفت كما أنّه لا معنى لحمل الحجّة عليه بالمعنى المعهود المراد منها كلَّما يطلق في باب الأدلَّة عند الأصوليّين فإنّه ليس الوسط بقول مطلق بل قسم منه وهو الوسط لإثبات حكم متعلَّقه وإن لم يثبت لهم اصطلاح فيها وهذا الَّذي ذكرنا تبعا لما أفاده قدس سره لا ينافي ما قضى به ضرورة العقل وتسالم عليه الكلّ من أنّ الأكبر في الشّكل الأوّل لا بدّ أن يكون محمولا للأوسط حتّى ينتج الشّكل فلا يعقل أن يكون
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 8 | ميرزا محمد حسن الآشتياني