عدم كون جميعها واقعة للمكلَّف ولا وجود العلم الإجمالي في الوقائع إلى غير ذلك
نعم ؛ ربما يجري على لسان شيخنا اعتبار الظَّن الاطمئناني بقول مطلق في جميع موارده وكونه ملحقا بالعلم حكما بل موضوعا لكنّك قد عرفت ضعفه بما لا مزيد عليه إن كان المراد ظاهره
نعم ؛ قد أصرّ على ذلك بعض مشايخنا قدس سره في جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ولعمري إنّه من غرائب الكلام وإن أوهمه ظاهر كلام بعض الأعلام بل كلام شيخنا قدس سره فيما تقدّم في مسألة حجيّة الأخبار
ثمّ إذا عرفت فساد توهّم القول بحجيّة مطلق الظَّن في مطلق الموضوعات الخارجيّة فهل قام هناك شيء من دليل الانسداد أو غيره على اعتبار مطلق الظَّن في بعض الموضوعات الخارجيّة أم لا وملخّص القول فيه أنّه ادّعى بعض المحقّقين ( شيخ محمّد تقي ) الإجماع على اعتبار الظَّن في الأمور المستقبلة وهذا الكلام بإطلاقه لا معنى لأن يكون مرادا
نعم ؛ هو مستقيم في الجملة وقد يستظهر من كلام ثاني الشّهيدين في باب الشّياع الظَّني القول بحجيّته مطلقا نظرا إلى كون الظَّن الحاصل منه أقوى من الظَّن الحاصل من البيّنة العادلة في غالب مواردها وقد عرفت المناقشة فيه في مطاوي ما قدّمنا لك عند الكلام في الظَّنون الخاصّة ويظهر من شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره في الكتاب في هذا المقام إمكان إجراء دليل الانسداد في جملة من الموضوعات كالضّرر والعدالة والنّسب والوقف وأشباهها من الموضوعات المتعلَّقة للأحكام الكثيرة مع فرض انسداد باب العلم في غالب مواردها فالرّجوع إلى الأصل يوجب طرح تلك الأحكام ومن هنا يعتبر الظَّن عندهم في باب الضّرر والنّسب ومن هنا يكتفى بظنّ السّيادة والإلحاق بالهاشم في باب الخمس وغيره وما أفاده قدس سره وإن كان مسلَّما مستقيما في الجملة إلَّا أنّه بإطلاقه محلّ مناقشة
توضيح ذلك أنّ الظَّن في باب الضّرر وإن كان حجّة اتّفاقا وعليه العمل من العلماء والعقلاء في أمور معادهم ومعاشهم والحكمة فيه وإن كانت انسداد باب العلم في غالب موارده إلَّا أنّه يمكن منع جريان شبه دليل الانسداد فيه لأنّ جميع الوقائع الَّتي يظنّ الضّرر فيها لا يتّفق عادة واقعة للمكلَّف دفعة واحدة بحيث يصير محلَّا لابتلائه حتّى يلزم من الرّجوع إلى الأصل طرح الخطاب المتوجّه إلى المكلَّف منجّزا على ما هو المناط والمدار في منع الرّجوع إلى الأصل في الشّبهة المحصورة كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلَّه وأمّا القول باعتبار
مطلق الظَّن في باب العدالة والنّسب والوقف وأشباهها بحيث يكون حجّة حتّى في مقابل المدّعي خلافها فلم يدلّ عليه دليل بل ربما يكون القول به بإطلاقه حتّى في مقابل المدّعي والمتصرّف خلاف الإجماع
نعم ؛ لا إشكال في اعتبار بعض الأمارات شرعا في باب النّسب كالفراش فإنّه كالبيّنة والإقرار في هذا الباب وإن لم يحصل الظَّن الشّخصي منه وهذا لا دخل له بحجيّة مطلق الظَّن في باب النّسب وهذا مثل القول بحجيّة الظَّن في دخول الوقت أو الشّهر في الجملة لمن كان متعذّرا من الفحص أو القبلة لمن كان متحيّرا في الجملة وإن كان بينهما فرق من جهة أخرى فإنّ اعتبار الفراش من باب الظَّن الخاصّ لا الظَّن المطلق وبالجملة القول بحجيّة مطلق الظَّن في بعض الموضوعات مطلقا كما في باب الضّرر أو في الجملة ممّا لا نمنعه لكنّه لا دخل له بحجيّة مطلق الظَّن في مطلق الموضوعات فالمرجع فيها الأمارات المعتبرة بقول مطلق كالبيّنة ونحوها ومع فقدها فالمرجع الأصول العمليّة ولا يلزم من الرّجوع إليها محذور أصلا ومن هنا لا يجب الفحص عن الموضوعات المشتبهة
فافهم وليكن هذا في ذكر منك عسى ينفعك في كثير من الموارد
ثمّ من الواضحات كون الكلام في حجيّة الظَّن في باب الضّرر متوقّفا على تعلَّق الحكم الشّرعي بالضّرر الواقعي لا بخوفه وإلَّا لم يكن معنى الكلام في اعتباره لأنّ صدق الخوف مع الشّك وجداني فضلا عن الظَّن بالضّرر فلو قيل بتعلَّق الحكم في باب التّيمم والإفطار كما هو مقتضى بعض الأخبار وذهب إليه بعض الأصحاب بموضوع الخوف لحق الحكم مع الشّك في الضّرر أيضا ولا دخل له بمسألة حجيّة الظَّن في باب الضّرر أصلا كما أشار إليه في الكتاب
قوله قدس سره : أحدهما ما وجب على المكلَّف الاعتقاد والتّدين به إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ ظاهر ما أفاده في المقام بل صريحه كون التّصديق العلمي مغايرا للاعتقاد ومن هنا جعله مقدّمة وجوديّة له تارة ومقدّمة وجوبيّة له أخرى وهو الَّذي يظهر من غير واحد منهم المحقّق القمّي قدس سره في القوانين في بيان حقيقة الإيمان بالنّسبة إلى القلب والجوارح حيث قال ما هذا لفظه
قيل إنّه فعل القلب فقط وقيل إنّه فعل الجوارح وقيل إنّه فعلهما معا وذهب إلى الأوّل المحقّق الطَّوسي في بعض أقواله وجماعة من أصحابنا والأشاعرة والتّحقيق أنّه لا يكفي فيه مجرّد حصول العلم بل لا بدّ من عقد القلب على مقتضاه وجعله دينا له وعازما على الإقرار به في غير حال الضّرورة والخوف بشرط أن لا يظهر منه ما يدلّ على الكفر
والحاصل أنّ محض العلم لا يكفي وإلَّا لزم إيمان المعاندين من الكفار الَّذين كانوا يجحدون ما استيقنت به أنفسهم كما نطقت به الآيات
انتهى كلامه رفع مقامه وربما يستدلّ على كون الاعتقاد الَّذي هو عبارة عن عقد القلب مغايرا للتّصديق العلمي وزائدا عليه ومنفكَّا عنه بجملة من الرّوايات مثل قوله عليه السلام فرض اللَّسان القول والتّعبير عن القلب بما عقد عليه وأقربه الحديث وما رواه الزّبيري عن أبي عبد اللَّه عليه السلام وأمّا ما فرض على القلب من الإيمان والإقرار والمعرفة والعقد الحديث وفي آخره وذلك ما فرض اللَّه عزّ وجلّ على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس الإيمان فإنّ
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 274
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٧٤