كون المعرفة مغايرة لعقد القلب كما هو مقتضى العطف وحمله على التّفسير والبيان كما يقتضيه ذيل الرّواية حيث اقتصر على ذكر المعرفة فقط خلاف الظَّاهر إلى غير ذلك ممّا يستظهر منه كون الإيمان والاعتقاد غير مجرّد العلم والقطع بالمعارف وقد استدلّ قدس سره عليه في مجلس البحث بعد الإصرار على تغايرهما بأنّهما لو كانا متّحدين لم يمكن تعلَّق الوجوب بالاعتقاد وصيرورته معروضا له لأنّ الاعتقاد بمعنى العلم من الأوصاف الاضطراريّة بعد حصول المقدّمات لا الأفعال فلا يعقل أن يعرضها الوجوب فيكون المطلوب حقيقة هو مقدّمات تحصيله الَّتي هي من قبيل الأفعال الاختياريّة وهو خلاف ظاهر جميع كلماتهم بل خلاف ظاهر الآيات والأخبار الواردة في باب الإيمان والمعرفة فلا بدّ من أن يلتزم بكون الاعتقاد أمرا اختياريّا وفعلا للقلب غير مجرّد التّصديق العلمي حتّى يمكن اتّصافه بالوجوب ويقع في حيّز أمر الشارع
لا يقال إنّ العلم وإن لم يكن مقدورا بالذّات إلا أنّه مقدور بالواسطة ومعلوم أنّ القدرة الَّتي هي مناط صحّة التّكليف ومداره هو الأعمّ وإلَّا لارتفع أكثر التّكاليف إن لم يرتفع كلَّها وهو كما ترى
لأنّا نقول ما ذكر من إناطة التّكليف بالقدرة بالمعنى الأعمّ وإن كان أمرا مسلَّما مفروغا عنه إلَّا أنّ متعلَّق المقدور بالواسطة لا بدّ من أن يكون من مقولة الأفعال بالمعنى الأعمّ من فعل القلب والجوارح ولا يجدي تعلَّقها بالصّفة فإنّ المكلَّف به حقيقة حينئذ هو الأسباب ولو تعلَّق في ظاهر القضيّة اللَّفظيّة بالأوصاف فلا بدّ من صرفها ضرورة انحصار متعلَّق الأحكام الشّرعيّة في أفعال المكلَّفين وبالجملة الاعتقاد يغاير العلم ومن هنا حكم في الشّرع كتابا وسنّة بكفر من لم يعتقد بالحقّ وإن كان عالما به سواء كان مصرّا في ترك الاعتقاد أو لا هذا ولكن قد يناقش فيما أفاده قدس سره مضافا إلى منافاته لما سيجيء من كلامه من الإشكال في منع حجيّة الخبر في الأصول بقوله قدس سره ولكن يمكن أن يقال إنّه إذا حصل الظَّن من الخبر إلى آخره إذ لا فرق بين الظَّن والعلم في الحكم المذكور كما هو ظاهر بأنّا كلَّما نتأمّل لا نعقل الاعتقاد أمرا زائدا على التّصديق الحاصل في القلب ولا نرى فيه بعد التّصديق العلمي شيئا آخر أصلا يعبّر عنه بالاعتقاد وفعل القلب فالتّصديق المذكور عين عقد القلب على المعلوم لا تغاير بينهما أصلا فإن كان اختياريّا فهو أيضا اختياريّ وإن كان اضطراريّا فهو أيضا اضطراري فإن كان من فعل القلب فهو أيضا من أفعاله وإن كان من الأوصاف فهو أيضا من الأوصاف فظهر من ذلك اندفاع ما أفاده قدس سره من أنّه لو كانا متّحدين لم يمكن تعلَّق الوجوب بالاعتقاد وصيرورته معروضا له على ما هو المطلوب في العقائد أوّلا وبالذّات لأنّ التّصديق كما هو الحقّ المعروف
عبارة عن فعل القلب فإن فرض اختياريّا ابتداء وبالذّات كما قد يتوهّم فلا إشكال لأنّ الفعل الَّذي يعتبر تعلَّق التّكليف به أعمّ من أن يكون من أفعال القلب أو الجوارح وإن فرض اضطراريّا كما هو الحقّ وعليه المحقّقون من كون جميع الإدراكات اضطراريّا فكذلك لأنّ المقدور بالواسطة مقدور ويصحّ تعلَّق التّكليف به سواء كان من أفعال القلب أو الجوارح وبالجملة تعلَّق الأمر والتّكليف بالعلم والتّصديق ممّا لا مجال لإنكاره فإن كان العلم من الأفعال فهو وإن كان انفعالا للقلب فلا بدّ من إرجاع الأمر به إلى الأمر بمقدّماته وليس فيه إلَّا مخالفة ظاهر كلماتهم وهي ممّا لا يوجب رفع اليد عمّا قضت به الضّرورة من عدم تعلَّق التّكليف بما لا يكون من مقولة الفعل فالاستدلال على كون العلم مغايرا للاعتقاد من حيث تعلَّق التّكليف به محلّ نظر بل منع وأمّا الحكم بكفر جماعة ممّن كانوا عالمين بالحقّ كفرعون وأضرابه فليس من جهة عدم اعتقادهم مع علمهم بالحقّ بل من جهة إنكارهم للحقّ وعدم التزامهم به إذا الإيمان ليس مجرّد الاعتقاد ضرورة اعتبار أمر آخر وراءه فيه
نعم ؛ لا إشكال في أنّ هنا شيئا آخر وراء العلم وهو الرّضا وطيب النّفس في مقابل الاستنكاف والاستكبار القلبي وقد اعتبر الرّضا والتّسليم في رواية الزّبيري بعد الإقرار والمعرفة وعقد القلب وهو ظاهر قوله عليه السلام في بعض الأدعية رضيت باللَّه ربّا وبالقرآن كتابا وبالكعبة قبلة لكنّ الظَّاهر عدم إرادة التّسليم والرّضا من الاعتقاد في كلامه قدس سره وإن كان لا يأباه ما أفاده في مجلس المذاكرة بل ربما يصرّح به في خلال إفاداته مع أنّ القول باعتبار ذلك في الإيمان خلاف ظاهر أكثر الأخبار الواردة في تفسير الإيمان كما ستقف عليه ممّا ذكره قدس سره بعد ذلك
نعم ؛ لا إشكال في اعتباره في بعض مراتب الإيمان وعدم تحقّقه بدون الرّضا والتّسليم حيث إنّه ذو مراتب ودرجات كثيرة لا يوجد بعضها إلَّا في الخصّيصين من الأولياء والمرسلين والصّديقين وأمّا اعتباره في الإيمان بقول مطلق في مقابل الكفر الموجب للخلود في النّار والأحكام الدّنيويّة والآثار البرزخيّة فلا يظنّ القول به من أحد فضلا عن مثله العديم في عصره بل غالب الأعصار
ثمّ إنّ ما ذكرنا من المناقشة فيما أفاده من مغايرة العلم للاعتقاد لا تعلَّق له بما أفاده في بيان تقسيم العقائد إلى القسمين فإنّه صحيح لا محيص عنه أصلا فيقال علي المناقشة المزبورة إنّ ما يكون من مقولة الاعتقاديّات لا يخلو إمّا أن يجب تحصيل معرفته أو لا يجب بل إن حصلت المعرفة حصل الاعتقاد قهرا ووجب الالتزام والتّدين بمقتضاه وإن لم يحصل فلا يجب تحصيل المعرفة الظَّنّية ولا التّدين بمقتضاها لو فرض حصولها كما لم يجب تحصيل المعرفة العلميّة بل على تقدير حصول المعرفة الظَّنية يحرم التّديّن والالتزام بها لما دلّ على حرمة التّدين بغير العلم
ثمّ
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 275
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٧٥