استناد إليه مثل العمل بالواقع حتّى بالنّسبة إلى الخطاب المتعلَّق بالطَّريق على ما عرفت تفصيل القول فيه فما أفاده شيخنا قدس سره في شرح المقام لا يخلو عن بعض المناقشات الواضح لمن أحاط خبرا بما قدّمنا في توضيح ذلك عن قريب عند الاعتراض على المحقّق المحشّي قدس سره فراجع
ثمّ إنّ فيما أفاده شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره في الكتاب في ردّ الوجهين وذكرنا في توضيحه وإن كان غنى وكفاية في تبيّن حال سائر الوجوه الَّتي استند إليها المحقّق المحشّي في إثبات حجيّة الظَّن في خصوص الطَّريق في قبال القول بحجيّة الظَّنّ على الإطلاق أو في خصوص الواقع إلَّا أنّ الأولى التعرض لها وبيان حالها إجمالا حسبما يساعدنا التّوفيق ولكن لا بدّ من التّعرّض للوجه الأوّل المذكور في الكتاب الَّذي ذكره المحقّق المحشّي ثاني الوجوه أوّلا مع التّعرض لما يرد عليه ثمّ نتعرّض لباقي الوجوه فإنّ بينه وبين ما حكاه شيخنا قدس سره عن أخيه في الفصول فرقا فإنّه قال في عداد الوجوه ما هذا لفظه الثاني أنّه كما قرّر الشّارع أحكاما واقعيّة كذا قرر طريقا للوصول إليها أمّا العلم بالواقع أو مطلق الظَّن أو غيرهما قبل انسداد باب العلم وبعده وحينئذ فإن كان سبيل العلم بذلك مفتوحا فالواجب الأخذ به والجري على مقتضاه ولا يجوز الأخذ بغيره ممّا لا يقطع بالوصول إلى الواقع من غير خلاف فيه بين الفريقين وإن انسدّ سبيل العلم به تعيّن الرّجوع إلى الظَّن به فيكون ما ظنّ أنّه طريق مقرّر من الشارع طريقا قطعيّا حينئذ إلى الواقع نظرا إلى أنّ القطع ببقاء التّكليف بالرّجوع إلى الطَّريق وقطع العقل بقيام الظَّن في مقام العلم حسبما عرفت ويأتي فالحجّة إذن ما يظنّ كونه حجّة وطريقا إلى الوصول إلى الأحكام وذلك إنّما يكون لقيام الأدلَّة الظنيّة على كونه كذلك وليس ذلك إثباتا للظَّن بالظَّن حسبما قد يتوهّم بل تنزّلا من العلم بما جعله الشّارع طريقا إلى ما يظنّ كونه كذلك بمقتضى حكم العقل حسبما مرّت الإشارة إلى نظيره في الوجه المتقدّم
ثمّ ساق الكلام فيما يورد على هذا الوجه والجواب عنه إلى أن قال ثالثها أنّ الانتقال إلى الظَّن بما جعله طريقا إنّما
يكون مع العلم ببقاء التّكليف بالأخذ بالطَّريق المقرّر بعد انسداد باب العلم به وهو ممنوع إذ لا ضرورة قاضية ببقاء التّكليف في تلك الخصوصيّة لو سلَّم انسداد باب العلم بها بخلاف الأحكام الواقعيّة فإنّ بعد انسداد باب العلم بها قد قامت الضّرورة ببقاء التّكليف وإلَّا لزم الخروج عن الدّين وهو أيضا في الوهن نظير سابقته إذ من الواضح أنّ للشّارع حكما في شأن من انسدّ عليه سبيل العلم من وجوب عمله بمقتضى الظَّن أو الظَّن الخاصّ فلا نعني نحن بالطَّريق المقرّر إلَّا ذلك وحينئذ كيف يمكن منعه مع أنّ الضّرورة القاضية به بعد القطع ببقاء التّكليف أوضح من الضّرورة القاضية ببقاء التّكليف إذ مع البناء عليه لا مجال لأن يستريب ذو مسكة فيه مع قطع النّظر عن ضرورة الدّين القاضية ببقاء الأحكام فإذا علم ثبوت طريق للشّارع في شأنه حينئذ من الأخذ بمطلق الظَّن أو غيره تعيّن تحصيل العلم به أو لا فإن قام عليه دليل قطعيّ من قبله كما يدّعيه القائل بالظَّنون الخاصّة فلا كلام وإلَّا تعيّن الأخذ بما يظنّ كونه طريقا ولا يصحّ القول بالرّجوع إلى مطلق الظَّن بالواقع من جهة الجهل المفروض بل قضيّة علمه بتعيين طريق عند الشّارع في شأنه وجهله من جهة انسداد سبيل العلم به هو الرّجوع إلى الظَّن به أعني الأخذ بمقتضى الدّليل الظَّني الدّال عليه حتّى يحصل له القطع من ذلك بكونه الحجّة عليه بضميمة الدّليل المذكور وذلك حاصل في جهة الظَّنون الخاصّة دون مطلق الظَّن
نعم ؛ لو لم يكن هناك طريق خاصّ يظنّ حجيّته ممّا يكتفى به في استنباط القدر اللَّازم من الأحكام وتساوت الظَّنون بالنّسبة إلى ذلك مع القطع بوجوب الرّجوع إلى الظَّن في الجملة كان الجميع حجّة حسبما مرّ ونحن نسلَّمه إلَّا أنّه ليس الحال كذلك في المقام رابعها أنّه إن أريد بذلك حصول العلم الإجماليّ بأنّ الشّارع قد قرّر طريقا لإدراك الأحكام الواقعيّة والوصول إليها فكلَّفنا في واقعة بالبناء على شيء كما هو مقتضى الإجماع والضّرورة فمسلَّم ولكن نقول هو ظنّ المجتهد مطلقا من أيّ سبب كان من الأسباب التي لم يعلم عدم الاعتداد بها وإن كان المراد القطع بأنّ الشّارع قد وضع طريقا تعبّديّا كالبيّنة للوصول إلى الأحكام فممنوع فأين القطع به بل خلافه من المسلَّمات لقيام الإجماع
والضّرورة على توقّف التّكليف على الإدراك والفهم وأقلَّه الظَّن بالواقع وهذا أوضح فسادا من الوجوه المتقدّمة
أمّا أوّلا فلأنّ ما سلَّمه من تعيين طريق من الشّارع للوصول إلى الأحكام مدّعيا قضاء الضّرورة به هو عين ما أنكره أوّلا وحينئذ فقوله إنّا نقول إنّ ذلك الطَّريق هو مطلق الظَّن بيّن الفساد فإنّه إن كان ذلك من جهة اقتضاء انسداد سبيل العلم وبقاء التّكليف له فهو خلاف الواقع فإنّ مقتضاه بعد التّأمّل فيما قرّرناه هو ما ذكرناه دون ما توهّموه وإن كان لقيام دليل آخر عليه فلا كلام لكن أنّى له بذلك
وأمّا ثانيا فإنّه لا مانع من تقرير الشّارع طرقا تعبّديّة للوصول إلى الأحكام كما قرّر طرقا بالنّسبة إلى الموضوعات بل نقول إنّ الأدلَّة الفقهائية كلَّها من هذا القبيل بل وكذا كثير من أدلَّة الاجتهاديّة حسبما فصّلنا القول فيها في محلّ آخر
وأمّا ثالثا فبأنّ ما ذكره من التّرديد ممّا لا وجه له أصلا فإنّ المقصود من المقدّمة المذكورة تعيّن طريق إلى ذلك عند الشّارع في الجملة من غير حاجة إلى بيان الخصوصيّة فما ذكره من التّرديد خارج عن قانون المناظرة ويمكن الإيراد في المقام بأنّه كما انسدّ سبيل العلم بالطَّريق المقرّر كذا انسدّ سبيل العلم بالأحكام المقرّرة في الشّريعة وكما ينتقل من العلم بالطريق
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 221
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٢١