في حكم العقل عند انسداد باب الظَّن بالطَّريق إذا تعارضت ليس التّعارض الحقيقي كيف ولا يمكن اجتماع الظَّنين الشّخصيّين في مسألة على طرفي النّقيض بل المراد التّعارض الصّوري بين الأمارتين المقتضيتين للظَّن فيكون مفاد الأقوى ظنّا والضّعيف وهما فيؤول إلى اجتماع الظَّن والوهم حقيقة على ما عرفت الإشارة إليه من كلامه فيما قام ظنّ على عدم حجيّة الظنّ الَّذي يدخل في مسألة المانع والممنوع الَّتي يأتي البحث عنها في الكتاب
ثمّ إنّ هنا مناقشات أخر قد طوينا عن التّعرض لها خوفا من إطالة الكلام مضافا إلى أنّه بعد التّأمّل فيما تعرّضنا له يمكن الإحاطة بها والالتفات إليها فلا فائدة في ذكرها
قوله قدس سره : ثمّ شرع في إبطال دعوى حصول العلم إلخ
أقول : الأولى نقل كلامه قدس سره في هذا المقام لترتّب بعض الفوائد عليه قال قدس سره والقول بإفادة قول الثّقة القطع بالنّسبة إلى السّامع منه بطريق المشافهة نظرا إلى أنّ العلم بعدالته والوقوف على أحواله يوجب العلم العادي بعدم اجترائه على الكذب كما هو معلوم عندنا بالنّسبة إلى كثير من الأخبار العاديّة سيّما مع انضمام بعض القرائن القائمة مجازفة بيّنة إذ بعد فرض المعرفة بالعدالة بطريق اليقين مع عدم اعتبارها في الشّرع المبين كيف يمكن دعوى القطع مع انفتاح أبواب السّهو والنّسيان وسوء الفهم سيّما بالنّسبة إلى الأحكام البعيدة عن الأذهان كما نشاهد ذلك في أفهام العلماء فضلا عن العوام مضافا إلى قيام احتمال النّسخ في زمن النّبي صلى الله عليه وآله في كلّ آن ومع ذلك لم يوجب على جميع أهل بلده التجسّس بما يفيد العلم بعدمه في كلّ زمان بل كانوا يبنون على الحكم الوارد إلى أن يصل إليهم نسخة هذا كلَّه بالنّسبة إلى البلدة الَّتي فيها الرّسول صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام فكيف بالنّسبة إلى سائر الأماكن والبلدان سيّما الأقطار البعيدة والبلاد النائية ومن الواضح أنّه صلى الله عليه وآله كان يكتفي منهم بالأخذ بالأخبار الواردة عليهم بتوسّط الثّقات كما يدلّ عليه آية النّفر والطَّريقة الجارية المستمرّة المقطوعة ولم يوجب صلى اللَّه عليه وآله يوما على كلّ من لم يتمكَّن من العلم المهاجرة ونحوها أو أخذ الأحكام على سبيل التّواتر ونحوه وكذا الحال في الأئمّة عليهم السلام وذلك أمر معلوم من ملاحظة أحوال السّلف والرّجوع إلى كتب الرّجال وإنكاره يشبه إنكار الضّروريات وليس ذلك إلَّا للاكتفاء بالأخذ بطرق ظنيّة ودعوى حصول العلم بالواقع من الأمور البعيدة خصوصا بالنّسبة إلى البلاد النّائية سيّما بعد ما كثرت الكذّابة على النّبي صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام حتّى قام خطيبا في ذلك ونادى به الأئمّة عليهم السلام كما يظهر من ملاحظة الأخبار وما يتراءى من دعوى السيّد وغيره إمكان حصول القطع بالأحكام في تلك الأعصار ممّا يقطع بخلافه ويشهد له شهادة الشّيخ رحمه الله وغيره بامتناعه والظَّاهر أنّ تلك الكلمات مؤوّلة بما لا يخالف ما قلناه لبعد تلك الدّعوى من أضرابه وممّا ينادى بعدم بناء الأمر على تحصيل القطع ملاحظة
حال العوام مع المجتهدين فإنّ من البيّن عدم وجوب تحصيل القطع عليهم بفتاوى المجتهد على حسب المكنة بل يجوز لهم الأخذ عن الواسطة العادلة مع التّمكن من العلم بلا ريبة وعليه جرت طريقة الشّيعة في سائر الأزمنة بل الظَّاهر أنّه ممّا أطبقت عليه سائر الفرق أيضا وهل كان الحال في الرّجوع إلى النّبي صلى اللَّه عليه وآله والأئمّة عليهم السلام في ذلك العصر إلَّا كحال العوام في هذه الأعصار في الرّجوع إلى المجتهدين فبملاحظة جميع ما ذكرناه يحصل القطع بتجويز الشّارع العمل بغير العلم في الجملة مع انفتاح طريق العلم سيّما مع ملاحظة ما في التّكليف بالعلم في خصوصيات الأحكام من الجرح التّام بالنّسبة إلى الخواص والعوام وهو ممّا لا يناسب هذه الشّريعة السّمحة السّهلة الَّتي رفع عنها الحرج والمشقّة ووضعت على كمال التّيسر والسّهولة ويشهد بذلك أيضا ملاحظة الحال في موضوعات الأحكام فإنّه اكتفى الشّارع في إثباتها بطرق مخصوصة من غير التزام بتحصيل العلم بها بالخصوص لما فيه من الحرج والمشقّة في كثير من الصّور فإذا كان الحال في الموضوعات على الوجه المذكور مع أنّ تحصيل العلم بها أسهل فذلك بالنّسبة إلى الأحكام أولى وأيضا من الواضح كون المقصود من الفقه هو العمل وتحصيل العلم به إنّما هو من جهة العلم بصحّة العمل وأدائه مطابقا للواقع ومن البيّن أنّ صحّة العمل كما يتوقّف على العلم بالحكم كذلك يتوقّف على العلم بالموضوع فالاقتصار على خصوص العلم بالنّسبة إلى الحكم لا يثمر العلم بصحّة العمل بالنّظر إلى الواقع مع الاكتفاء بغيره في تحصيل الموضوع وليس المحصّل للمكلَّف حينئذ بالنّسبة إلى العمل إلَّا العلم بمطابقة العمل لظاهر الشّريعة والقطع بالخروج عن العهدة في حكم الشارع فينبغي أن يكون ذلك هو المناط بالنّسبة إلى العلمين
انتهى كلامه رفع مقامه وقد عرفت ممّا قدّمنا في مسألة حجيّة الأخبار من حيث الخصوص أنّا لا نضايق من القول بحجيّة خبر الثّقة في الأحكام الشّرعيّة من حيث الخصوص لكن بالعنوان الَّذي عرفت شرحه عن قريب لا أن يكون هو المناط والمدار في التّكليف
قوله قدس سره : أنّ الحاصل أنّ سلوك الطَّريق المجعول مطلقا أو عند تعذّر العلم إلخ
أقول : قد عرفت شرح القول في ذلك وأنّ الأمر بسلوك الطَّريق من حيث هو أمر تبعيّ غيريّ لا يؤثر موافقة الاتّفاقيّة في سقوط الخطابات الواقعيّة أصلا عند المخالفة بل امتثاله مع العلم به لا يجدي شيئا في سقوط الخطاب الواقعي
نعم ؛ يحكم العقل بكون المكلَّف معذورا في مخالفة الواقع المسبّبة عن سلوك الطَّريق فيما لو أسند إليه مع ثبوته بالعلم أو الظَّن المعتبر فمجرّد موافقته من دون استناد إليه لا يؤثر أصلا حتّى في سقوط الخطاب المتعلَّق به فضلا عن الخطاب المتعلَّق بالواقع فليس العمل بالطَّريق من
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 220
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٢٠