الإلزامي في التّوصّليّات مطلقا وفي التّعبديّات إذا أتي بالفعل ببعض العنوانات الَّذي عرفته لا مطلقا وأمّا الظَّن بالطَّريق الَّذي لا يفيد الظَّن بالواقع فلا يظنّ منه سقوط الخطاب الواقعي مطلقا ولو في التّوصّليات حيث إنّ المفروض عدم إيجابه للظَّن بالواقع وأمّا الخطاب المتعلَّق بالطَّريق المفروض كونه مظنونا وإن كان المظنون سقوطه مطلقا بسلوك الطَّريق نظرا إلى تعلَّق الظَّن به إلَّا أنّه خطاب تبعيّ غيريّ توصّلي ليس مطلوبا بالذّات حتّى يترتّب عليه أثر وفائدة هذا مع أنّك قد عرفت أنّ الخطاب المتعلَّق بالطريق إنّما يقتضي الاستناد إليه وهو محرم قطعا فيما لو يعلم به فسلوك الطَّريق الَّذي كانت حجيّته في نفس الأمر محرّمة بالأدلَّة الأربعة عند عدم العلم به ولو كان مصادفا للواقع فكيف يمكن أن يجعل الظَّن به ظنّا بالبراءة عن الواقع مطلقا
نعم ؛ الظَّن به ظنّ بسقوط الخطاب المتعلَّق بالطَّريق حيث أنّه توصّلي مطلقا فهو إنّما يفيد فيما لو كان التّكليف بالطَّريق في عرض التّكليف بالواقع وليس الأمر كذلك حيث إنّه عينه بناء وغيره حقيقة مع كونه غيريّا توصّليا
فتدبّر فما أفاده من أنّ الظَّن بالطَّريق ظنّ بالبراءة دون الظَّن بالواقع لم يعلم له معنى محصّل وأمّا الاستشهاد لذلك بأنّه قد يحصل الظَّن بالواقع ممّا يقطع بحرمة سلوكه فكيف يكون موجبا للظَّن بالبراءة ففيه أوّلا أنّه قد يحصل الظَّن بالطَّريق أيضا ممّا يقطع بحرمة سلوكه كالقياس وأشباهه وثانيا أنّ ذلك إنّما يمنع من الظَّن بالبراءة لو كان المراد منها رضا الشّارع بالعمل به لا سقوط الخطاب الواقعي فإنّه يظنّ منه ذلك فيما لو كان توصّليا وإن كان العمل بالظَّن المفروض حراما هذا فإن شئت قلت الظَّن بالحكم الشّرعي الفرعي وبما يكون طريقا إليه بعد تماميّة مقدّمات دليل الانسداد في حكم العقل بمنزلة العلم بهما سواء كان الحكم المذكور تعبّديّا أو توصّليا من غير فرق بينهما إلَّا في كون اعتبار العلم ذاتيا نفسيّا واعتبار الظَّن بحكم العقل الكاشف عن حكم الشّرع فإنّ الموافقة الظنيّة في حكمه بمنزلة الموافقة العلميّة بعد الملاحظة المذكورة والبراءة بمعنى سقوط العقاب يحصل يقينا بملاحظة حكم العقل المذكور ولو خالف الظَّن الواقع من غير فرق بين الظَّن بالواقع والظن
بما جعل طريقا إليه ما دامت الأمارة قائمة من غير فرق بين التّوصّلي والتّعبدي ولا يلزم حصوله بمعنى آخر
وأمّا ثالثا فلأنّ ما أفاده من تسليم كون الظَّن بالواقع ملازما للظَّن بالبراءة عن الواقع من حيث أنّه واقع لا للظَّن بالبراءة عنه في حكم المكلَّف لا محصّل له أيضا إلَّا بدعوى تقييد الواقع بالطَّريق كما هو صريح كلامه في الوجه الثّاني من الوجوه الَّتي ذكرها لإثبات مرامه وسيجئ نقله وليس مبنى هذا الوجه عليه مع أنّك قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه مع أنّك قد عرفت أنّ جعل الطَّريق ليس معناه حصول البراءة بسلوكه كيفما اتّفق بل معناه حسبما عرفت مرارا تنزيل مؤدّى الطَّريق منزلة الواقع فهو عين الواقع بالجعل الظَّاهري وغيره حقيقة وإن كان الملحوظ في الأمر المتعلَّق به كونه غالب الإيصال إلى الواقع وكاشفا عنه ومرآة له فليس إلَّا أمرا تبعيّا غيريّا مقدّميّا فلا يكون سلوك الطَّريق مطلوبا بالذّات فضلا من أن يكون أولى من الواقع أو قيدا له مع أنّ هذا الوجه ليس مبناه على العلم الإجمالي بجعل الطَّريق كما هو مبنى الوجه السّابق في الكتاب المذكور وفي الفصول أيضا فكيف يمكن تقييد الخطابات الواقعيّة بمساعدة الطَّريق عليها
وأمّا رابعا
فلأن ما أفاده من تسليم حجيّة الظَّن بالواقع مع فرض انسداد باب الظَّن بالطَّريق فجعل هناك ثلاث مراتب متدرّجة مترتّبة لم يعلم له محصّل أيضا مع فرض البناء على تقييد الواقع بمؤدّى الطَّريق إذ غاية ما يمكن أن يوجّه به على ما فرضوه أن يقال إنّ العقل مستقلّ بلزوم تحصيل العلم بالبراءة أوّلا في حكم الشّارع بتحصيل العلم بالطَّريق أو العلم بالواقع الَّذي هو طريق إليه بحكم الشارع ومع انسداد بابه يحكم بلزوم تحصيل الظَّن بالبراءة الَّذي لا يحصل إلَّا من الظَّن بالطَّريق ومع انسداده يحكم بلزوم تحصيل احتمال البراءة الَّذي هو آخر مراتب الإطاعة في حكم العقل وهو حاصل في الظَّن بالواقع الَّذي لم يعلم عدم حجيّته كما هو المفروض عند كلا الفريقين فهو إنّما يحكم بحجيّة الظَّن بالواقع في الموضوع الَّذي عرفته من حيث حصول احتمال البراءة به من حيث احتمال كونه طريقا وحجّة في حكم الشارع لا من حيث إنّه ظنّ بالواقع حتّى يتوجّه عليه أنّه بعد تقييد الواقع بالطَّريق لا معنى للحكم بحجيّة الظَّن المتعلَّق بالواقع أصلا حتّى مع فرض انسداد باب الظَّن بالطَّريق لكن يتوجّه عليه بعد تسليم المقدّمات المذكورة أنّ اللَّازم عليه على ما ذكر الفرق في الظَّنون القائمة على المسائل الفرعيّة بين مشكوك الاعتبار منها والموهوم بل اللَّازم عليه بعد فرض عدم كفاية مشكوك الاعتبار الفرق بين مراتب الوهم كما أنّ اللَّازم عليه التّعميم حينئذ بالنّسبة إلى الظَّن بالواقع والطَّريق المشكوك الاعتبار أو موهومه مع عدم إفادته للظَّن بالواقع كما هو ظاهر وما يقال في التفصّي عمّا ذكر من أنّ المفروض في كلام المستدلّ تسوية الظَّنون القائمة على الحكم الفرعي الواقعي فلا يتوجه عليه الإيراد المذكور فاسد جدّا لأنّ المفروض في كلامه الَّذي عرفته كما هو صريحة التسوية من جهة عدم قيام الظن باعتبار بعضها لا التسوية من جميع الجهات فلا مناص عن الإيراد المذكور
اللَّهمّ إلَّا أن يتشبث للتّعميم بين الظَّنون القائمة على الأحكام الواقعيّة من غير فرق بين المشكوك اعتباره وموهومه بذيل الإجماع بسيطا أو مركبا وهو كما ترى بمكان من الضّعف والسّقوط
ثمّ إنّ مراده قدس سره من لزوم الأخذ بأقوى الظَّنون القائمة على الأحكام الواقعيّة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 219
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢١٩