قدّس اللَّه أسرارهم وقد ذكروا في باب الإجماع إجماع الصّحابة وإجماع أهل المدينة عنوانا مستقلَّا وكان من دأب الخلفاء والصّحابة التّابعين إذا أشكل الأمر عليهم في آية أو مسألة السّؤال ممّن سمع النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله فيهما شيئا فإذا نقل وروى منه صلى الله عليه وآله في حكم ما استشكلوا آية أو رواية أخذوا بقوله من دون تأمّل فيكشف ذلك إمّا عن تقرير المعصوم عليه السلام أو متابعة ما وصل إليهم منه من وجوب العمل بخبر الواحد في الأحكام الشّرعيّة
قوله قدس سره : وهذا الوجه إلخ
أقول : حاصل الجواب عن هذا الوجه أنّ عمل الصّحابة إنّما يكشف عن السّنة قولا أو تقريرا فيما كان العامل تابعا في عمله لقول الحجّة أو رأيه بحيث لو منعه عن عمله لارتدع بردعه عليه السلام كما هو الشّأن في كشف سكوت الإمام عليه السلام عن جواز الفعل في جميع الموارد حيث إنّ المعتبر في كشف الفعل مع سكوت المعصوم عليه السلام عن تقريره عدم كون الفعل صادرا عن قلَّة الاكتراث في الدّين وعدم كون الفاعل مسامحا فيه كما أنّه يعتبر فيه عدم المانع عن ردعه عليه السلام من تقيّة ونحوها ولم يثبت عمل واحد من الصّحابة التّابعين بالخبر المجرّد فضلا عن اتّفاق الباقين عليه نعم قد ثبت عمل غير هؤلاء على وجه لا شبهة فيه لكنّه لا يكشف عن السّنة بعد فرض العلم بتبعيّتهم لأهوائهم الفاسدة وآرائهم الباطلة المخالفة لرأي المعصوم عليه السلام من جهة مجرّد العناد ودعوى لزوم الرّدع على الإمام عليه السلام وتابعيه مع فرض العلم بعدم التّأثير أو الخوف من الرّدع من جهة لزوم الإرشاد وإن لم يظنّوا الارتداع بل علموا بعدمه كما اتّفق ذلك بالنّسبة إلى مسألة الخلافة الَّتي هي أعظم من جميع المسائل من حيث وجود الدّواعي في النّفوس الشقيّة لإخفائها وكمال الخوف من إظهار بطلان مدّعيها هدم لما تسالموا عليه من اعتبار تأثير الرّدع وعدم الخوف من إظهار الحق والقياس بمسألة الخلافة فاسد جدّا لوضوح الفرق بينهما وعدم الخوف من إظهار الحقّ في أوّل الأمر وإن كان موجودا في الأزمنة المتأخّرة سيّما بالنّسبة إلى سائر الأئمّة عليهم السلام وأصحابهم ولذا لم يظهروا الحقّ إلَّا عند الخواصّ هذا مع أنّه على تقدير لزوم الرّدع على المعصوم عليه السلام مطلقا من الجهة المذكورة لا يجدي في المقام أصلا إذ نقول على هذا التّقدير أنّا نحتمل ردع المعصوم عليه السلام وعدم ارتداع العامل بردعه وليست هنا عادة قطعيّة قاضية بوصول الرّدع إلينا على تقدير وجوده فتدبّر
قوله قدس سره : وثانيا أنّ ما ذكر من الاتّفاق إلخ
أقول : حاصل ما أفاده من الجواب الثّاني أنّ الاتّفاق على العمل بخبر شخصي أو بأخبار كثيرة حتّى ممّن ذهب إلى عدم حجيّة خبر الواحد المجرّد وإنّما يجعل دليلا على حجيّته سواء كان خبرا أو أخبارا كثيرة من حيث كشفه عن تقرير المعصوم عليه السلام للعاملين المختلفين في الرّأي في مسألة حجيّة الخبر المعتقدين بوجود العناوين المتعدّدة له كلّ بحسب زعمه لا من حيث كشفه عن رأيهم في المسألة حتّى يرجع إلى الإجماع القولي ضرورة امتناع ذلك بعد فرض الاختلاف المذكور مع فرض دخل عمل من يعتقد عدم الحجيّة في الكشف ومن المعلوم أنّ العاملين بالخبر المجرّد القائلين بحجيّته مختلفين في العنوان الَّذي اقتضى حجيّته من حيث كونه خبر عدل أو ثقة في روايته وإن لم يكن ثقة على الإطلاق بل ولا معتقدا للحقّ أو مظنون الصّدور إلى غير ذلك من العناوين ولا يفيد الإجماع العملي الرّاجع إلى كشفه عن تقرير المعصوم عليه السلام في حقّنا إلَّا بعد إحراز أمرين
أحدهما : إحراز عنوان الفعل الَّذي وقع موردا للتّقرير وهذا لا بدّ من إحرازه فإنّه يرجع إلى تشخيص الموضوع للحكم الشّرعي حيث إنّ الفعل بنفسه لا دلالة له على عنوانه من غير فرق في ذلك بين الفعل الَّذي يقع موردا لتقرير المعصوم عليه السلام إذا صدر من غيره وبين الفعل الَّذي يتحقّق من المعصوم عليه السلام ويكون دليلا على المشروعيّة في حقّنا لدليل التّأسّي
ثانيهما : إحراز تحقّقه في حقّنا واعتباره أيضا ظاهر ضرورة اختلاف الأحكام باختلاف الموضوعات فكلّ من دخل تحت موضوع لحقه حكمه ففيما نحن فيه إذا علمنا بأنّ بعض العاملين بخبر عمل به من حيث علمه بصدوره وبعضهم عمل به من حيث ظنّه بصدوره مثلا قاطعا بحجيّة الخبر المظنون الصّدور فلم يحصل لنا العلم بصدوره ولا العلم بحجيّة الخبر المظنون صدوره فكيف يجوز لنا الأخذ به من حيث تقرير المعصوم عليه السلام للعاملين وعدم ردعه لهم هذا حاصل ما أفاده في الجواب الثّاني وفيه مناقشة ظاهرة حيث إنّ الاعتقاد بالحكم الشّرعي سواء كان فرعيّا أو أصوليّا لو كان خطاء في نفس الأمر وجب على المعصوم عليه السلام ردع المعتقد وبيان خطائه فيه ولا يقاس بالعناوين الواقعيّة الَّتي يختلف بها الحكم ولو كانت من مقولة حالات المكلَّفين الَّتي لا تتطرق الخطاء والصّواب فيها بل ولا بالاعتقاد بالموضوع مع فرض خطاء المعتقد فيه الَّذي لا يجب
على الإمام عليه السلام ردع المعتقد وبيان خطائه فيه كالَّذي يعمل بالخبر من حيث اعتقاده بصدوره مع عدم صدوره في نفس الأمر
فتدبّر وإلَّا لزم سدّ باب التمسّك بالتّقرير فإن شئت قلت إنّ الاعتقاد بالحكم الشّرعي ليس من العناوين الَّتي يختلف بها الحكم حتّى يجب إحرازه في حقّ غير العامل والقول بأنّا لا نعلم بانتهاء عمل من يعمل بالخبر من حيث اعتقاده بحجيّة الخبر الواحد المجرّد عن القرينة حضور المعصوم عليه السلام حتّى يستكشف من عدم ردعه عليه السلام له حجيّته فاسد جدّا إذ مبنى ما أفاده كما ترى ليس على ما ذكر من التّوهّم في توجيه كلامه بل على ما ذكرنا في بيانه بحيث لا يحتمل منه غيره فتدبّر
قوله قدس سره : أوّلها ما اعتمدته سابقا إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ المعلوم صدوره تفصيلا
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 173
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٧٣