شاملا لموارد الأخبار والأمارات والواجب مراعاته لا العلم الإجماليّ الخاصّ إذ في مراعاته مراعاة للخاصّ بخلاف العكس كما هو ظاهر والشّاهد على ما أفاده والدّليل عليه أنّ العلم الإجمالي بوجود أحكام كثيرة صادرة عن الحجج عليهم السلام إنّما حصل من العلم بأنّ الغرض من الرّسالة في كلّ عصر وزمان بعث فيه رسول تبليغ الأحكام الإلهيّة والأوامر والنّواهي الواقعيّة إلى العباد بحيث لا ينفك العلم بإرسال الرّسل وإنزال الكتب من العلم بما ذكر فالعلم ببعث الرّسول ملازم للعلم بالتّكاليف فإذا علمنا برسالة الرّسول المختار صلى الله عليه وآله فنعلم بتبليغه صلى الله عليه وآله تكاليف من اللَّه عزّ وجلّ إلى العباد فيكلَّفون بها من اللَّه تبارك وتعالى من غير فرق بين الحاضر والغائب والموجود والمعدوم فإذا لم يعلم بها تفصيلا فيعلم بوجودها بين ما يحكى عنها من الأخبار وغيرها من غير اختصاص بإحداهما
لا يقال ما ذكر إنّما هو قبل الاطَّلاع على حال الأخبار والعلم بصدور أكثرها عن الحجج عليهم السلام وأمّا بعد العلم بصدور أكثرها عن الحجج عليهم السلام فلا نسلَّم العلم بوجود أحكام كثيرة على وجه الإطلاق بحيث يشمل موارد الأمارات سلَّمنا لكن لا نسلَّم كون الشّبهة في المقام من الشّبهة المحصورة لم لا يكون من غيرها فلا يؤثر في وجوب الاحتياط
لأنّا نقول العلم بصدور أحكام كثيرة في مضامين تلك الأخبار بملاحظة العلم الإجمالي بصدور أكثرها عن الحجج عليهم السلام لا ينافي بقاء العلم الإجمالي في موارد مجموع الأمارات وإلَّا أمكن دعوى ارتفاع العلم الإجمالي عن موارد الأخبار من جهة العلم بكثير من الأحكام الشّرعية المدلول عليها بالكتاب وسائر الأدلَّة العلميّة وذلك من جهة كثرة المعلومات الإجماليّة بحيث لا يحتمل اختصاصها بموارد الأخبار والكتاب وسائر الأدلَّة العلميّة ومنه يظهر فساد ما يتخيّل من كون الشّبهة في المقام من الشّبهة الغير المحصورة وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا من وجود العلم الإجمالي في مجموع الأمارات مضافا إلى العلم الإجماليّ الموجود في موارد خصوص الأخبار فارجع إلى الضّابط الَّذي ذكره قدّس سرّه في الكتاب لتميّز موارد وجود العلمين عن موارد وجود العلم الواحد حتّى تعلم صدق ما ادّعاه فإنّه لا شبهة في بقاء العلم الإجمالي بعد عزل طائفة من الأخبار يحتمل انحصار المعلوم
بالإجمال من الأحكام في الأخبار في مواردها وضمّ تمام الأمارات بباقي الأخبار وملاحظتها معها بعد عزل تلك الطَّائفة الخاصّة وهذا دليل على وجود العلم الإجمالي الأعمّ وإلَّا لم يبق علم بعد عزل تلك الطَّائفة الخاصّة الَّتي يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال في الأخبار فيها لا ما يزيد عليه ولا ما ينقص عنه فإنّه على كلّ من الوجهين لا يدلّ على وجود العلمين كما هو واضح فمجرّد وجود العلم الإجمالي بالتّكاليف الكثيرة في مضامين الأخبار لا يكشف عن خروج سائر الأمارات عن أطراف العلم الإجمالي الكلَّي العام وإلَّا أمكن اختصاص العلم في الأخبار بطائفة خاصّة منها كأخبار العدول مثلا وخروج غيرها فإنّه لا ينبغي الإشكال في وجود العلم الإجمالي بالتّكاليف في مضامين أخبار العدول مضافا إلى العلم الإجمالي الموجود في مضامين تمام الأخبار
فتدبّر فإذا فرض تعلَّق العلم الإجمالي بمجموع الأمارات فلا بدّ من رعايته في مضامينها على ما عرفت غاية الأمر كون الاحتياط في الأخبار أولى بالاهتمام من جهة العلم الإجمالي في مضامينها بالخصوص أيضا ولكن مجرّد كونها أولى بالاهتمام لا يمنع من الاحتياط في غيرها
نعم ؛ يمكن أن يقال إنّ الاحتياط على هذا الوجه الكلَّي يوجب الحرج الشّديد إذ يجب أن يؤخذ حينئذ بكلّ ما يثبت التّكليف الإلزامي خبرا كان أو غيره لكنّه مضافا إلى اقتضائه رعاية الاحتياط في خصوص الأخبار وإلقائه في غيرها كما سيجيء الكلام فيه لا تعلَّق له بدعوى اختصاص العلم الإجمالي بموارد الأخبار
قوله قدس سره : وثانيا أنّ اللَّازم من ذلك إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ هذا الجواب مبنيّ على الإغماض عمّا يقتضيه التّحقيق من كون النّتيجة بعد تسليم اختصاص العلم الإجمالي بمضامين الأخبار الاحتياط الكلَّي لا الاقتصار على خصوص موارد الظَّن وقد عرفت الإشارة إلى استقامة ما أفاده بعد وضوح كون العمل بالخبر الصّادر يقينا من حيث كونه طريقا إلى الواقع وكاشفا عنه فالعبرة بما يظنّ مطابقته للواقع من الأخبار لا ما يظنّ بصدورها كما يقوله المستدلّ بالوجه المزبور
قوله قدس سره : وثالثا أنّ مقتضى إلخ
أقول : لمّا كان عنوان الأخذ بالخبر بمقتضى هذا الوجه رعاية الاحتياط اللَّازم في مضامين الأخبار من جهة العلم بصدور أكثرها عن الحجج عليهم السلام وكون مضامينها أحكام اللَّه تعالى فلا يتعدّى عمّا يقتضي الوجوب والتّحريم من الأخبار ضرورة عدم تطرّق الاحتياط اللَّازم في الأخبار الغير المتضمّنة للأحكام الإلزاميّة ومن هنا قيّد المعلوم بالإجمال بالأخبار المثبتة للتّكاليف الإلزاميّة المخالفة للأصول مع أنّ معنى حجيّة الخبر هو الأخذ بمقتضاه من غير فرق بين الأحكام المدلول عليها فهذا المعنى لا يمكن إثباته بهذا الوجه فلا معنى للاستدلال به
نعم ؛ هنا حكم إلزامي متعلَّق بغير الحكم الإلزاميّ أيضا سواء كان واقعيّا أو ظاهريّا وهو وجب الالتزام به على ما هو عليه فإنّه من الحكم الأصولي حقيقة ومن فروع تصديق النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله فيما جاء به وبلغه عن اللَّه تبارك وتعالى من غير فرق بين كون ما جاء به حكما إلزاميّا وغيره فلا تعلَّق له بدليل حجيّة الخبر ولا يمكن إثباته به
نعم ؛ دليل حجيّته فيما فرض كون مدلوله هي الحجّة عند الشّارع لا وجوب الاحتياط يثبت الحكم الشّرعي في مرحلة الظَّاهر من غير فرق بين الإلزام وغيره فيلتزم به كذلك كما أنّه يلتزم بالحكم الواقعي على نحو ثبوته في موارد الأخبار على تقدير عدم قيام
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 176
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٧٦