من الأخبار بالتّواتر بأقسامه أو القرينة بأقسامها خارج عن أطراف العلم الإجمالي فالمعلوم صدوره من الأخبار الكثيرة إنّما هو في ضمن غير المعلوم صدوره تفصيلا فمحصّل هذا الوجه أنّا نعلم إجمالا بصدور أكثر ما بأيدينا من الأخبار الَّتي لا نعلم تفصيلا بصدورها ولا طريق لنا إلى تشخيص الصّادر عن غيره فيجب إمّا الاحتياط والأخذ بكلّ ما يحتمل صدوره ولو موهوما على ما يقتضيه العلم الإجمالي بحكم العقل أو الأخذ بما ظنّ صدوره منها بعد فرض قيام الدّليل على بطلان الاحتياط الكلَّي والقول بأنّ ما أفاده قدّس سرّه في تقريب العلم الإجمالي لا يفيد العلم أصلا بعد فرض عدم التّواتر والقرينة ضرورة أنّ الأخبار المفروضة ليست في واقعة واحدة وإنّما هي في وقائع مختلفة متعدّدة لا ارتباط بينها أصلا كلَّها مرويّة بسند واحد فيلاحظ كلّ خبر بنفسه من غير أن يكون له تعلَّق بخبر آخر في قضيّة أخرى غاية ما هناك كونها مظنون الصّدور بالظَّن الاطمئناني بعد ملاحظة كيفيّة ورودها إلينا واهتمام المشايخ في شأنها وأخذها وإيداعها في أصولهم وأين هذا من العلم الإجمالي بصدور أكثرها أو كثير منها وإن هي إلَّا نظير الأخبار الكثيرة الواردة على الشّخص في القضايا المتعدّدة المختلفة الغير المربوطة بعضها ببعض من غير أن يكون مرجعها إلى تعيين ما اتّفقوا على وقوعه حتّى يرجع إلى تواتر القدر المشترك وإلَّا فيخرج عن الفرض ضرورة أنّه لا فرق بين خبر واحد في قضيّة شخصيّة ولو كان راويه عدلا إماميّا ضابطا وبين أخبار كثيرة غاية الكثرة في وقائع مختلفة ولو كانت من ثقات محتاطين في النّقل فإن أفادت العلم بالصّدور فلا بدّ أن يفيد العلم به أيضا وهو خلف مع أنّه على هذا التّقدير الفاسد لا بدّ أن يكون معلوم الصّدور تفصيلا لا أن يكون بعضها معلوم الصّدور إجمالا فيتردّد بين الجميع فاسد جدّا إذ الكلام بعد العلم ببيان النّبي صلى الله عليه وآله والوصيّ جميع ما يحتاج إليه الأمّة في الوقائع لأهل زمانهما وإيجابهما تبليغ الشّاهد واهتمام كلّ طبقة على نقل ما سمعوه ولو بوسائط وعدم اندراس تمام ما بيّنه النّبي والوصيّ صلوات اللَّه عليهما ووجود ما ثبت منهما فيما وصل إلينا من أخبار الكتب من جهة ما أفاده قدّس سرّه من الشّواهد
والقرائن بحيث لا يحتمل كون تمام ما بأيدينا غير ما صدر عن المعصوم عليه السلام في بيان الأحكام بحيث اختفى تمامه علينا ويكون تمام ما وصل إلينا من الأخبار المكذوبة عليهم السّلام
نعم ؛ لا ينكر اختفاء البعض كما لا ينكر احتمال وجود بعض الأخبار المكذوبة فيما بأيدينا وهذا لا ينافي العلم الإجمالي بصدور كثير منها أو أكثرها بل لا ينافيه العلم بالاختفاء في الجملة ووجود الأخبار المكذوبة عليهم فيما بأيدينا في الجملة كما هو واضح فقياس المقام بالأخبار الكثيرة الواردة في الوقائع المختلفة قياس مع الفارق فالَّذي يقاس به المقام ما لو علم بصدور أحكام كثيرة من سلطان لم نسمعها منه ولكن نقلت إلينا بوسائط ثقات محتاطين في النّقل مع شدّة اهتمامهم في الضّبط فإنّه يعلم إجمالا بأنّ تلك الأخبار مشتملة على ما صدر من السّلطان ومن أنكره فإنّما ينكره باللَّسان وقلبه مطمئنّ بالإيمان
قوله قدس سره : أو دعوى الظَّن بصدور جميعها إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ المراد من الظَّن بصدور الجميع المنافي للعلم الإجمالي بكذب البعض هو الظَّن الشّخصي الفعلي لا النّوعي الشّأني ولا الأعمّ منهما ضرورة إمكان اجتماع الظَّن الشّأني بصدور الجميع مع العلم الإجمالي بكذب البعض نظير العلم الإجمالي مع الشّك في جميع أطراف الشّبهة
قوله قدس سره : ثمّ إنّ هذا العلم الإجمالي إنّما هو متعلَّق إلخ
أقول : قد عرفت أنّ متعلَّق العلم ما لم يعلم صدوره تفصيلا من الأخبار بالتّواتر أو القرينة لأنّ العلم الإجمالي المتعلَّق بمطلق الصّادر المردّد بين المعلوم التفصيلي والمشكوك لا أثر له بالنّسبة إلى المشكوك لرجوع الشّكّ فيه إلى الشّك البدوي إذ لا يعقل العلم الإجمالي مع كون أحد طرفيه معلوما بالتّفصيل وهذا مع وضوح الأمر فيه ستسمع شرح القول فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة في حكم الشّبهة المحصورة وأنّ العلم الإجمالي فيها إنّما يؤثر في وجوب الاحتياط وحمل المكلَّف على الإطاعة الإجماليّة فيما لو أوجب التّكليف وأثبته على كلّ تقدير أمّا لو أثبته على بعض التّقادير دون بعض فلا يؤثّر في وجوب الاحتياط كما لو علم بتنجّس أحد الإناءين من جهة العلم بوقوع النّجس في أحدهما يعلم بنجاسة أحدهما تفصيلا قبل العلم الإجمالي فلا يجب الاحتياط عن المشكوك بل يرجع إلى أصالة الطَّهارة فإنّه على تقدير وقوع النّجس فيما علم بنجاسته تفصيلا لا يوجب فيه تكليفا بوجوب الاجتناب فيما لو كانا من جنس واحد بل الأمر فيما نحن فيه أوضح من المثال المفروض لاحتمال كون الخبر الصّادر ما علم صدوره تفصيلا فلا يكون هناك علم إجماليّ أصلا بل علم تفصيليّ ومشكوك بدوي كما هو الظَّاهر وأمّا اعتبار كونهما متعلَّق الخبر المخالف للأصل وبعبارة أخرى الأخبار المثبتة للتّكاليف الإلزاميّة فيما لا يحكم بمقتضاها بمقتضى الأصول المثبتة للتّكليف الإلزامي فلأنّ الرّجوع إلى الأصل لا يوجب طرح المعلوم بالإجمال لأنّ الخبر الدّال على الإباحة مثلا ولو كان صادرا عن الإمام عليه السلام في الواقع لا يقتضي إيجاب العمل بمقتضاه حيث إنّ الالتزام بالإباحة الظَّاهريّة ثابتة بالفرض كما أنّ الالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه ثابت أيضا والالتزام بالإباحة الظَّاهريّة من حيث اقتضاء الخبر لها لا دليل عليه أصلا وإن منع العلم بصدوره تفضيلا عن جريان الإباحة الظَّاهريّة إلَّا أنّ الرّجوع إلى الأصل في مورد العلم الإجمالي لا يوجب طرحه عملا والتزاما وكذلك الخبر الدّال على الوجوب مثلا لا يقتضي
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 174
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٧٤