كون محلّ الوصف محلّ الحاجة يتّجه في المقام أيضا مضافا إلى أنّ له في المقام نكتة أخرى أيضا وهو التّنبيه على أنّ المخبر المتّصف بالفسق بعيد عن مقام الاعتماد والاستناد جدّا إذ يحتمل في حقّه ما يحتمل في حقّ المخبر العادل من السّهو والنّسيان مع زيادة وهي احتمال تعمّده الكذب وتعويله في خبره على أمارات ضعيفة وأوهام سخيفة ناشئتين من انتفاء صفة العدالة عند الحاصرة على الاقتحام في مثل ذلك وهذا ظاهر لا سترة عليه انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه
قوله قدس سره : ففيه أنّ مفهوم الشّرط إلخ
أقول : الوجه فيما أفاده ظاهر لا سترة فيه أصلا ضرورة أنّ المعتبر في التّعليق على الشّرط كما حقّق في محلَّه فيما كان له مفهوم بتبديل كلّ من الشّرط والجزاء بنقيضه مع إبقاء سائر أجزاء القضيّة على حالها في جانب المفهوم فإذا قال إن جاءك زيد فأكرمه مثلا كان مفهومه سلب الجزاء وهو وجوب الإكرام عن زيد عند عدم الشّرط وهو مجيء زيد لا سلب الإكرام عن عمرو الجائي مثلا فإنّه موضوع آخر لم يكن مثبتا في القضيّة أصلا فإذا فرض التّعليق على الشّرط في الآية دالَّا على قضيّة أخرى يعبّر عنها بالمفهوم كانت تلك القضيّة إن لم يجيئكم فاسق بنبأ فلا يجب التّبيّن في نبأه لا إن جاءكم عادل بنبأ فلا يجب التّبين في نبأه فإنّ نبأ العادل ليس من أفراد عدم نبأ الفاسق ولو في الجملة ضرورة أنّ الأمر الوجودي ليس من أفراد العدم ضرورة تقابل الوجود والعدم فكيف يمكن تصادفهما
نعم ؛ قد يقارن عدم الشّيء وجود بعض الأشياء أو يلازمه وأين هذا من التّصادق والفردية فعدم نبأ الفاسق لا يتعدّى عنه وليس من أفراده نبأ العادل وإن تقارن نبأ العادل في الوجود وإلَّا أمكن أن يقال بأنّ الآية تدلّ منطوقا على عدم حجيّة خبر العادل بأن يقال إنّ الآية تدلّ على وجوب التَّبين في خبر الفاسق ويشمل بإطلاقها ما لو اجتمع مع نبأ العادل فيجب التَّبين فيه وإن كان المخبر به أمرا واحدا وهو كما ترى فإذا لم يمكن التَّبين في النّبأ المنفي عن الفاسق فلا يعقل أن يكون للقضيّة مفهوم ودلالة مرادة للمتكلَّم ضرورة كون انتفاء المحمول عن الموضوع الغير الموجود من جهة استحالة الوجود لا من جهة دلالة اللَّفظ وإنشاء المتكلَّم لنفيه إمّا من جهة الدّلالة الوضعيّة أو الإطلاقيّة الانصرافية أو العقليّة الرّاجعة إلى لزوم اللَّغويّة والخلوّ عن الفائدة فلا بدّ أن يكون الغرض من ذكر الشّرط في أمثال المقام الإشارة والدّلالة على اختصاص الجزاء موضوعا بصورة وجود الشّرط وهذا غير عزيز كما في الأمثلة المذكورة في الكتاب فلو قيل إنّ قوله
تعالى فإذا قرئ القرآن الآية يدلّ بالمفهوم على نفي وجوب الاستماع عن قراءة الحديث حيث إنّ عدم قراءة القرآن يشمل قراءة الحديث كان حقيقا بالإعراض وعدم الاستماع وهكذا الأمر في نظائره هذا مع أنّ الأخذ بإطلاق المفهوم والحكم بدلالة الآية على عدم وجوب التّبين في خبر العادل لا معنى له من جهة أخرى فإنّ حمل الآية على ما ذكر يوجب الحكم بأنّ مدلول الآية نفي وجوب التّبيّن بالدّلالة اللَّفظيّة عمّا لم يكن هناك نبأ أصلا لا من الفاسق ولا من العادل كما أنّ مدلولها نفيه عن نبأ العادل ومن المعلوم ضرورة أنّ نفي وجوب التّبين شرعا إنّما يتصور في مورد إمكان ثبوته وكيف يمكن ثبوته فيما لم يكن هناك نبأ أصلا وممّا ذكرنا كلَّه يظهر فساد ما قيل في الجواب عن الاعتراض المذكور من أنّ مفهوم الشّرط وإن لم يكن مجيء العادل بالنّبأ إلَّا أنّه بإطلاقه يشمله وهكذا ما قيل من أنّ حمل المفهوم على عدم وجوب التّبين في نبأ الفاسق عند عدم مجيئه به يوجب حمل القضيّة على السّالبة بانتفاء الموضوع وهو على خلاف الأصل والظَّاهر ضرورة أنّ الأصل المذكور إنّما يعمل به ويجري فيما كان هناك قضيّة سالبة مردّدة وقد عرفت تعيّن كون السّلب في المقام من جهة سلب الموضوع
قوله قدس سره : الثّاني ما أورده في محكي العدّة إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ مرجع هذا الإيراد أيضا وإن كان إلى كون الغرض من التّعليق في المقام وصفا أو شرطا غير الدّلالة على الانتفاء عند الانتفاء إلَّا أنّه يفترق معه من جهة أخرى فإنّ الاستناد في الإيراد الأوّل إلى منع وجود المقتضي وفي الإيراد الثّاني إلى وجود المزاحم والمانع عن الحكم بإرادة المفهوم من التّعليق وإن سلَّم كون التّعليق في نفسه مقتضيا لعدم وجوب التّبين في خبر العادل فالغرض من التّعارض في المقام هو تنافي ما يقتضيه ظهور اللَّفظ والدّلالة العرفية على الانتفاء عند الانتفاء مع وجود ما يمنعه ويزاحمه فالتّعليق بهذه الملاحظة ليس له ظهور ومفهوم حقيقة فلا يقال أنّه أخصّ بالنّسبة إلى عموم التّعليل فلا بدّ أن يخصّص به كما يكون الأمر كذلك فيما كان التّعليق المقتضي لمفهوم المخالفة والعموم في كلامين إذا فرض العموم مستفادا من غير التّعليل فالتّعارض حقيقة بين التّعليق الدّال على المفهوم بحسب الوضع أو غيره من جهات الدّلالة المذكورة في محلَّه وظهور التّعليل في تبعيّة الحكم المعلول له من حيث كونه من آثاره فالتّرجيح ليس من جهة المنطوق والمفهوم حتّى يرد النّقض بالمنفصلين بل من جهة الاتّصال والوجود في كلام واحد ضرورة عدم استقرار ظهور صدر الكلام حتّى يفرغ المتكلَّم منه مضافا إلى كون العموم مستندا إلى التّعليل الآبي عن التّخصيص المقتضي لحمل المعلول على ما يقتضيه التّعليل عموما وخصوصا فيحكم بملاحظة ما ذكر أنّ الغرض
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 149
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٤٩