مخلص من حمل التسبيح على المجاز فتسبيحها دلالتها بحسب وجودها على تنزه ربها .
قلت : كلامه تعالى مشعر بأن العلم سار في الموجودات مع سريان الخلقة فلكل منها حظ من العلم على مقدار حظه من الوجود ، وليس لازم ذلك أن يتساوى الجميع من حيث العلم أو يتحد من حيث جنسه ونوعه أو يكون عند كل ما عند الإنسان من ذلك أو أن يفقه الإنسان بما عندها من العلم قال تعالى حكاية عن أعضاء الإنسان :
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
( حم السجدة / 21 ) وقال :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
( حم السجدة / 11 ) والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وسيوافيك كلام مستقل في ذلك إن شاء اللّه تعالى .
وإذا كان كذلك فما من موجود مخلوق إلا وهو يشعر بنفسه بعض الشعور وهو يريد بوجوده إظهار نفسه المحتاجة الناقصة التي يحيط بها غنى ربه وكماله لا رب غيره فهو يسبح ربه وينزهه عن الشريك وعن كل نقص ينسب اليه .
وبذلك يظهر أن لا وجه لحمل التسبيح في الآية على مطلق الدلالة مجازا فالمجاز لا يصار اليه إلا مع امتناع الحمل على الحقيقة ، ونظيره قول بعضهم : إن تسبيح بعض هذه الموجودات قالي حقيقي كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الإنسان وتسبيح بعضها حالي مجازي كدلالة الجمادات بوجودها عليه تعالى ولفظ التسبيح مستعمل في الآية على سبيل عموم المجاز ، وقد عرفت ضعفه آنفا .
والحق أن التسبيح في الجميع حقيقي قالي غير أن كونه قاليا لا يستلزم أن يكون بألفاظ موضوعة وأصوات مقروعة كما تقدمت الإشارة اليه وقد تقدم في آخر الجزء الثاني من الكتاب كلام في الكلام نافع في المقام .
فقوله تعالى :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
يثبت لها تسبيحا حقيقيا وهو تكلمها بوجودها وما له من الارتباط بسائر الموجودات الكائنة وبيانها