تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 696

مساهمون:

ص٦٩٦
يكون الانسان مريدا للدنيا إلا إذا أعرض عن الآخرة ونسيها فتمحضت إرادته في الدنيا ، ويدل عليه أيضا خصوص التعبير في الآية
« مَنْ كانَ يُرِيدُ »
حيث يدل على استمرار الإرادة . وهذا هو الذي لا يرى لنفسه إلّا هذه الحياة المادية الدنيوية وينكر الحياة الآخرة ، ويلغو بذلك القول بالنبوة والتوحيد إذا لا أثر للايمان باللّه ورسله والتدين لولا الاعتقاد بالمعاد ، قال تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
( النجم / 30 ) . وقوله :
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
أي أسرعنا في إعطائه ما يريده في الدنيا لكن لا بإعطائه ما يريده بل بإعطائه ما نريده بالأمر الينا لا اليه والأثر لارادتنا لا لإرادته ، ولا بإعطاء ما نعطيه لكل من يريد بل لمن نريد فليس يحكم فينا إرادة الأشخاص بل إرادتنا هي التي تحكم فيهم . وإرادته سبحانه الفعلية لشيء هو اجتماع الأسباب على كينونته وتحقّق العلة التامة لظهوره فالآية تدل على أن الانسان وهو يريد الدنيا يرزق منها على حسب ما يسمح له الأسباب والعوامل التي أجراها اللّه في الكون وقدر لها من الآثار فهو ينال شيئا مما يريده ويسأله بلسان تكوينه لكن ليس له إلا ما يهدي اليه الأسباب واللّه من ورائهم محيط . قوله تعالى :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
قال الراغب : السعي المشي السريع وهو دون العدو ، ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا ، انتهى موضع الحاجة . وقوله :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ
أي الحياة الآخرة نظير ما تقدم من قوله :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ »
والكلام في قول من قال : يعني من أراد بعمله الآخرة نظير الكلام في مثله في الآية السابقة . وقوله :
وَسَعى لَها سَعْيَها
اللام للاختصاص وكذا إضافة السعي إلى ضمير