تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
قوله تعالى :
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ
الفاعل هو اللّه سبحانه وقد كثرت في القرآن نسبة الأخذ اليه ، وقيل : الضمير للعذاب ، والتقلّب هو التحول من حال إلى حال والمراد به تحوّل المشركين في مقاصدهم وأعمالهم السيئة وانتقالهم من نعمة إلى نعمة أخرى من نعم الحياة الدنيا ، قال تعالى :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ
( آل عمران / 197 ) . فالمراد بأخذهم في تقلبهم أن يأخذهم في عين ما يتقلبون فيه من السيئات مكرا باللّه ورسله بالعذاب أو المعنى يعذبهم بنفس ما يتقلبون فيه فيعود النعمة نقمة ، وهذا أنسب بالنظر إلى قوله :
« فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ »
. وقوله :
فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ
في مقام التعليل لأخذهم في تقلبهم ومكرهم السيئات أي لأنهم ليسوا بمعجزين للّه فيما أراد بالتغلب عليه أو بالفرار من حكمه ، والمعنى ظاهر . قوله تعالى :
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
التخوف تمكن الخوف من النفس واستقراره فيها فالأخذ على تخوف هو العذاب مبنيا على المخافة بأن يشعروا بالعذاب فيتقوه ويحذروه بما استطاعوا من توبة وندامة ونحوهما فيكون الأخذ على تخوف مقابلا لإتيان العذاب من حيث لا يشعرون . وقوله :
فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
في مقام التعليل أي يأخذهم على تخوف ويتنزّل في عذابهم إلى هذا النوع من العذاب الذي هو أهون الأنواع المعدودة لأنه رؤوف رحيم ، وفي التعبير بقوله :
« رَبَّكُمْ »
إشارة إلى ذلك ، وكونه في مقام التعليل بالنسبة إلى الوجهين الأولين ظاهر ، وأما بالنسبة إلى الثالث فلأن الأخذ بالنقص لا يخلو من مهلة وفرصة يتنبه فيها من تنبه فيأخذ بالحذر بتوبة أو غيرها . والكلام في تعداد أنواع العذاب المذكورة ليس مسوقا للحصر كما نبّه به بعضهم بل إحصاء لأنواع منه .