تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
للقدرة الغيبية القاهرة لكل شيء والإرادة التكوينية لهدم النظام الجاري ونقض سنّة الاختيار وإبطالها حتى يقول القائل منهم
« لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ »
الخ . وعلى هذا فقوله سبحانه :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
مسوق لحصر الرسالة على البشر العادي من رجال يوحى إليهم قبال ما ادعاه المشركون أنها لو كانت لكانت نقضا لنظام الطبيعة وإبطالا للاختيار والاستطاعة . والحق أن الآية
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا
إنما هي في مقام بيان أن الرسل كانوا رجالا من البشر العادي من غير عناية بكونهم أول ما بعثوا للرسالة أفرادا بالغين مبلغ الرجال فالغرض أن نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ويحيى عليهم السّلام - وهم رسل - كانوا رجالا يوحى إليهم ولم يكونوا أشخاصا مجهزين بقدرة قاهرة غيبية وإرادة إلهية تكوينية . ويقرب من الآية قوله تعالى في موضع آخر :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ
( الأنبياء / 8 ) . وقوله :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
الظاهر أنه خطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ولقومه ، وقد كان الخطاب في سابق الكلام للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم خاصة والمعنى موجّه إلى الجميع فهو تعميم الخطاب للجميع ليتخذ كل من المخاطبين سبيله فمن كان لا يعلم ذلك كبعض المشركين راجع أهل الذكر واسألهم ومن كان يعلم ذلك كالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمؤمنين به كان في غنى عن الرجوع والسؤال . والذكر حفظ معنى الشيء أو استحضاره ، ويقال لما به يحفظ أو يستحضر قال الراغب في المفردات : الذكر تارة يقال ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ إلّا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه والذكر يقال اعتبارا باستحضاره ، وتارة يقال لحضور الشيء في القلب أو القول ولذلك قيل : الذكر ذكران : ذكر بالقلب ، وذكر