وفتنتهم .
والثانية هجرتهم من مكة إلى المدينة بعد مهاجرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، والظاهر أن المراد بالهجرة في الآية هي الهجرة الثانية فسياق الآيتين أكثر ملاءمة لها من الأولى وهو ظاهر .
وقوله :
فِي اللَّهِ
متعلق بهاجروا ، والمراد بكون المهاجرة في اللّه أن يكون طلب مرضاته محيطا بهم في مهاجرتهم لا يخرجون منه إلى غرض آخر كما يقال : سافر في طلب العلم وخرج في طلب المعيشة أي لا غاية له إلّا طلب العلم ولا بغية له إلّا طلب المعيشة ، والسياق يعطي أن قوله :
« مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا »
أيضا مقيّد بذلك معنى ، والتقدير : والذين هاجروا في اللّه من بعد ما ظلموا فيه ، وإنما حذف اختصارا وإنما اكتفي به قيدا للمهاجرة لأنها محل الابتلاء فتخصيصه بإيضاح الحال أولى .
وقوله :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
قيل : أي بلدة حسنة بدلا مما تركوه من وطنهم كمكة وحواليها بدليل قوله :
« لَنُبَوِّئَنَّهُمْ »
فإنه من بوّأت له مكانا أي سوّيت وأقررته فيه .
وقيل : أي حالة حسنة من الفتح والظفر ونحو ذلك فيكون قوله :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
الخ ؛ من الاستعارة بالكناية .
والوجهان متحدان مآلا فإنهم إنما كانوا يهاجرون ليعقدوا مجتمعا إسلاميا طيبا لا يبعد فيه إلّا اللّه ، ولا يحكم فيه إلّا العدل والإحسان أو ليدخلوا في مجتمع هذا شأنه فلو رجوا في مهاجرهم غاية حسنة أو وعدوا بغاية حسنة كان ذلك هذا المجتمع الصالح ، ولو حمدوا البلدة التي يهاجرون إليها لكان حمدهم للمجتمع الاسلامي المستقر فيها لا لمائها أو هوائها فالغاية الحسنة التي يعدهم اللّه في الدنيا هي هذا المجتمع سواء أريد بالحسنة البلدة أو الغاية .
وقوله :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
تتميم للوعد وإشارة إلى أن أجر الآخرة أفضل من هذا الأجر الدنيوي لو كانوا يعلمون ما أعدّ اللّه لهم فيها من النعم فإن