تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
فيها سعادة من غير شقاء وخلودا من غير فناء ولذّة غير مشوبة بألم وجوار رب العالمين . قوله تعالى :
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
لا يبعد أن يستفاد من سياق الآيتين أن جملة العناية فيهما إلى وعد المهاجرين في اللّه وعدا حسنا في الدنيا والآخرة من غير نظر إلى الإخبار بتحقق المهاجرة قبل حال الخطاب فيكون الكلام في معنى الاشتراط : من يهاجر في اللّه فله كذا وكذا ، وتكون العناية في قوله :
« الَّذِينَ صَبَرُوا »
الخ ؛ بتوصيف المهاجرين بالصبر والتوكل من غير نظر إلى ما تحقق منهم من ذلك أيام توقفهم في أوطانهم بين المشركين قبال أذاهم وفتنتهم . والعناية بالتوصيف إنما هي لكون كلتا الصفتين دخيلتين في الغاية الحسنة التي وعدوا بها إذ لو لم يصبروا على مرّ الجهاد وأظهروا الجزع عند هجوم العظائم ولم يتأيدوا بالتوكل على اللّه واعتمدوا على أنفسهم الضعيفة أحيط بهم ولم يتهيأ لهم المستقر وفرّقهم العدو المصر على عداوته بددا وتلاشى المجتمع الصالح الذي أقاموه في مهاجرهم هذا في الدنيا ، وأما أمر الآخرة ففساده بفساد المجتمع أو تلاشيه أوضح . ولو كان المراد وعد المهاجرين الذين تحقق منهم الهجرة قبل نزول الآية تطييبا لنفوسهم وتسلية لهم عما أخرجوا من ديارهم وأموالهم وقاسوا الفتن والمحن كان قوله :
« الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ »
مدحا لهم بما ظهر منهم أيام إقامتهم بمكة وغيرها من الصبر في اللّه على أذى المشركين والتوكل على اللّه فيما عزموا عليه من الاسلام للّه . قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
رجوع ثان إلى بيان كيفية إرسال الرسل وإنزال الكتب حتى يتضح للمشركين أنه لم تكن الدعوة الدينية إلّا دعوة عادية من رجال يوحى إليهم من البشر يندبون إلى ما فيه صلاح الناس في دنياهم وعقباهم . وأنه لم يدّع أحد من الرسل ولا ادّعي في كتاب من كتب الشرائع أن الدعوة الدينية ظهور
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 567 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي