دائرة بينهم قديما وحديثا ، وعلى هذا ليس من شأن الرسول إجبار الناس وإلجاؤهم على الإيمان والطاعة بل البلاغ المبين بالإنذار والتبشير وحجتهم لا تدفع ذلك فبلّغ ما أرسلت به بلاغا مبينا ولا تطمع في هداية من ضلّ منهم ، وستفصّل الآيتان التاليتان ما أجملته هذه الآية وتوضحانها .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
الخ ؛ الطاغوت في الأصل مصدر كالطغيان وهو تجاوز الحدّ بغير حق ، واسم المصدر منه الطغوى ، قال الراغب : الطاغوت عبارة عن كل متعدّ وكل معبود من دون اللّه ، ويستعمل في الواحد والجمع ، قال تعالى :
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ
أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
. انتهى .
وقوله :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
إشارة إلى أن بعث الرسول أمر لا يختص به أمة دون أمة بل هو سنّة إلهية جارية في جميع الناس بما أنهم في حاجة اليه وهو يدركهم أينما كانوا كما أشار إلى عمومه في الآية السابقة إجمالا بقوله :
« كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
.
وقوله :
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
بيان لبعث الرسول على ما يعطيه السياق أن ما كانت حقيقة بعث الرسول إلّا أن يدعوهم إلى عبادة اللّه واجتناب الطاغوت لأن الأمر وكذا النهي من البشر وخاصة إذا كان رسولا ليس إلّا دعوة عادية لا إلجاء واضطرارا تكوينيا ، ولا أن للرسول أن يدّعي ذلك حتى يرد عليه أنه لو شاء اللّه ما عبدنا من دونه من شيء وإذ لم يشأ فلا معنى للرسالة .
وقوله :
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
أي كانت كل من هذه الأمم مثل هذه الأمة منقسمة إلى طائفتين فبعضهم هو من هداه اللّه إلى ما دعاهم اليه الرسول من عبادة اللّه واجتناب الطاغوت .