حرصك شيئا فليسوا ممن يمكن له الاهتداء فإن اللّه هو الذي يهدي من اهتدى ، وهو لا يهديهم فإنه يضلهم ولا يناقض تعالى فعل نفسه ، وليس لهم ناصرون ينصرونهم عليه .
وفي هذه الآيات الثلاث مشاجرات طويلة بين المجبّرة والمفوّضة وكل يفسرها بما يقتضيه مذهبه حتى قال الإمام الرازي : إن المشركين أرادوا بقولهم : لو شاء اللّه ما عبدنا من دونه من شيء ، الخ ؛ أنه لما كان الكل من التوحيد والشرك والهدى والضلال من اللّه كانت بعثة الأنبياء عبثا فنقول : هذا اعتراض على اللّه وجار مجرى طلب العلة في أحكامه وأفعاله تعالى وذلك باطل فلا يقال له : لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك ؟
قال : فثبت أن اللّه تعالى إنما ذمّ هؤلاء القائلين لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع عن جواز بعثة الرسل لا لأنهم كذبوا في قولهم ذلك . انتهى ملخصا .
وفي قوله :
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
دلالة على أن لغيرهم ناصرين كثيرين وذلك أن السياق يدل على أنه ليس لهم ناصر أصلا لا واحد ولا كثير فنفي الناصرين بصيغة الجمع يكشف عن عناية زائدة بذلك أي أن هناك ناصرين لكنهم ليسوا لهم بل لغيرهم وليس إلّا من يهتدي بهدى اللّه ، ونظير الآية ما حكاه اللّه سبحانه عن المجرمين يوم القيامة :
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ
( الشعراء / 100 ) .
وهؤلاء الناصرون هم الملائكة الكرام وسائر أسباب التوفيق والهداية واللّه سبحانه من ورائهم محيط ، قال تعالى :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
( المؤمن / 51 ) .
قوله تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى
إلى آخر الآية ؛ قال في المفردات : الجهد والجهد - بفتح الجيم وضمها - الطاقة ، والمشقة أبلغ من الجهد بالفتح ، قال : وقال تعالى :
« وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ »
أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم . انتهى .