الحجة فإنها داحضة والحجة تامة عليهم بالبلاغ وفيه إشارة إجمالية إلى دحض حجتهم .
فقوله :
كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي على هذا الطريق الذي سلكه هؤلاء سلك الذين من قبلهم فعبدوا غير اللّه وحرّموا ما لم يحرّمه اللّه ثم إذا جاءتهم رسلهم ينهونهم عن ذلك قالوا : لو شاء اللّه ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرّمنا من دونه من شيء فالجملة كقوله تعالى :
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
( الأنفال / 52 ) .
وقوله :
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
اي بلّغهم الرسالة بلاغا مبينا تتم به الحجة عليهم فإنما وظيفة الرسل البلاغ المبين وليس من وظيفتهم أن يلجئوا الناس إلى ما يدعونهم اليه وينهونهم عنه ولا أن يحملوا معهم إرادة اللّه الموجبة التي لا تتخلف عن المراد ولا أمره الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون حتى يحوّلوا بذلك الكفر إلى الإيمان ويضطرّوا العاصي على الإطاعة .
فإنما الرسول بشر مثلهم والرسالة التي بعث بها إنذار وتبشير وهي مجموعة قوانين اجتماعية أوحاها اليه اللّه فيها صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم صورتها صورة الأوامر والنواهي المولوية وحقيقتها الإنذار والتبشير ، قال تعالى :
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
( الأنعام / 50 ) ، فهذا ما أمر به نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن يبلّغهم وقد أمر به نوحا ومن بعده من الرسل عليهم السّلام أن يبلّغوه أممهم كما في سورة هود وغيرها .
وقال أيضا مخاطبا نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
( الكهف / 110 ) .
فهذا هو الذي يشير اليه على سبيل الإجمال بقوله :
كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
فإن ظاهره كما أشرنا اليه سابقا أن هذه حجة