تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
اللّه سبحانه مبين أبين لكم ما تحتاجونه إلى بيانه ، وليس لي وراء ذلك من الأمر شيء . فهذه الأمور الأربعة أعني ترك الرغبة بما في أيديهم من متاع الحياة الدنيا وترك الحزن عليهم إذا كفروا واستهزءوا ، وخفض الجناح للمؤمنين وإظهار أنه نذير مبين هو الصفح الجميل الذي يليق بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ولو أسقط منها واحد لاختل الأمر . قوله تعالى :
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
قال في المجمع : عضين جمع عضة وأصله عضوة فنقصت الواو ولذلك جمعت عضين بالنون كما قيل : عزوة وعزون والأصل عزوة ، والتعضية : التفريق مأخوذ من الأعضاء يقال : عضّيت الشيء أي فرّقته وبعّضته قال رؤبة : وليس دين اللّه بالمعضّى ، انتهى موضع الحاجة . وقوله :
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
لا يخلو السياق من دلالة على أنه متعلق بمقدّر يلوّح اليه قوله :
« وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ »
أي بعذاب منزل ينزل عليكم كما أنزلنا على المقتسمين ، والمراد بالمقتسمين هم الذين يصفهم قوله بعد :
« الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ »
وهم على ما وردت به الرواية قوم من كفار قريش جزّءوا القرآن أجزاء فقالوا : سحر ، وقالوا : أساطير الأولين ، وقالوا : مفترى ، وتفرقوا في مداخل طرق مكة أيام الموسم يصدون الناس الواردين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كما سيأتي في البحث الروائي إن شاء اللّه . فالظاهر أن الآيتين تذكران قوما نهضوا في أوائل البعثة على إطفاء نور القرآن وبعّضوه أبعاضا ليصدوا عن سبيل اللّه فأنزل اللّه عليهم العذاب وأهلكهم ، وهم الذين ذكروا في الآيتين ثم يذكر اللّه مآل أمرهم بقوله :
« فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ »
. قوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
قال في المجمع : الصدع والفرق والفصل نظائر ، وصدع بالحق إذا تكلم به جهارا ، انتهى . والآية تفريع على ما تقدم ، ومن حقها أن تتفرع لأنها الغرض في الحقيقة من السورة أي إذا كان الأمر على ما ذكر وأمرت بالصفح الجميل وكنت نذيرا بعذابنا كما أنزلنا على المقتسمين