تعالى .
فهو عليه السّلام يسأل البعد عن عبادة الأصنام لنفسه ولجميع من بعده من بنيه بالمعنى الذي تقدم ، اللهم إلا أن يقال : إن قرائن الحال والمقال تدل على اختصاص الدعاة بآل إسماعيل القاطنين بالحجاز فلا يعم بني إسحاق .
ثم عقب عليه السّلام دعاءه
« وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ »
بقوله :
« رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ »
وهو في مقام التعليل لدعائه ، وقد أعاد النداء
« رَبِّ »
إثارة للرحمة الإلهية ، أي إني إنما أسألك أن تبعدني وبني عن عبادتهن لأنهن أضللن كثيرا من الناس ونسبة الاضلال إلى الأصنام لمكان الربط الذي بين الضلال وبينهن وإن لم يكن ارتباطا شعوريا وليس من اللازم في نسبة أي فعل أو أثر إلى شيء أن يقوم به قياما شعوريا وهو ظاهر .
ثم قوله عليه السّلام :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
تفريع على ما تقدم من كلامه أي إذا كان كثير من الناس أضلتهم الأصنام بعبادتهن واستعذت بك وعرضت نفسي وبنيّ عليك أن تجنبنا من عبادتهن افترقنا نحن والناس طائفتين : الضالون عن طريق توحيدك والعارضون لأنفسهم على حفظك وإجنابك فمن تبعني الخ .
وقد عبّر عليه السّلام في تفريعه بقوله :
فَمَنْ تَبِعَنِي
والاتّباع إنما يكون في طريق - وقد لوّح إلى الطريق أيضا بقوله :
« أَضْلَلْنَ »
لأن الضلال إنما يكون عن الطريق - فمراده باتباعه التدين بدينه والسير بسيرته لا مجرد الاعتقاد بوحدانيته تعالى بل سلوك طريقته المبنية على توحيد اللّه سبحانه ليكون في ذلك عرض النفس على رحمته تعالى وإجنابه من عبادة الأصنام .
ومن الدليل على كون المراد بالاتباع هو سلوك سبيله قوله في ما يعادله من كلامه :
« وَمَنْ عَصانِي »
فإنه نسب العصيان إلى نفسه ولم يقل : ومن كفر بك أو عصاك أو فسق عن الحق ونحو ذلك كما لم يقل : فمن آمن بك أو أطاعك أو اتقاك وما أشبهه .