تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
فرجع بالحقيقة إلى ما تقدم في قوله تعالى :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
الآية ؛ أن كل خير من فعل أو ترك فإنه منسوب اليه تعالى أولا ، ثم إلى العبد ثانيا بخلاف الشر من فعل أو ترك فإنه منسوب إلى العبد ابتداء ولو نسب إليه تعالى فإنما ينسب إذا كان على سبيل المجازاة ، وقد أوضحنا ذلك . فالاجتناب من عبادة الأصنام إنما يتحقق عن إجناب من اللّه رحمة منه لعبده وعناية ، وليس في الحقيقة إلا أمرا تلبّس واتصف به العبد غير أنه إنما بملكه بتمليك اللّه سبحانه فهو المالك له بذاته والعبد يملكه بأمر منه وإذن كما أن العبد إنما يهتدي عن هداية من اللّه ، وليس هناك إلا هدى واحد لكنه مملوك للّه سبحانه لذاته والعبد إنما يملكه بتمليك منه سبحانه ، وأبسط كلمة في هذا المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة أن اللّه يوفق عبده لفعل الخير وترك الشر هذا . فتلخّص أن المراد بقوله عليه السّلام :
« وَاجْنُبْنِي »
سؤال ما للّه سبحانه من الصنع في ترك العبد عبادة الأصنام ، وبعبارة أخرى هو يسأل ربه أن يحفظه وبنيه من عبادة الأصنام ويهديهم إلى الحق إن هم عرضوا أنفسهم لذلك وأن يفيض عليهم إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا وأن يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا فهذا معنى دعائه عليه السّلام . ومنه يعلم أن نتيجة الدعاء لبعض المدعوين لهم وإن كان بلفظ يستوعب الجميع ، وهذا البعض هم المستعدون لذلك دون المعاندين والمستكبرين منهم وسنزيده بيانا . ثم هو عليه السّلام يدعو بهذا الدعاء لنفسه وبنيه
« وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ »
وبنوه جميع من جاء من نسله بعده وهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق فإن الابن كما يطلق على الولد من غير واسطة كذلك يطلق على غيره ، ويصدق ذلك القرآن الكريم قال تعالى :
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
( الحج / 78 ) وقد تكرر إطلاق بني إسرائيل على اليهود في نيف وأربعين موضعا من كلامه