تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
وثانيا : أن ذلك إنما هو في بعض الآيات الموضوعة في خلال آيات السور النازلة وأما في مثل هذه الآية التي هي ختام ناظرة إلى ما افتتحت به السورة فلا إذ لا معنى لإرجاء بعض الكلام المرتبط الأجزاء إلى أمد غير محدود . وقال بعضهم : إن كون الآية مكية لا ينافي أن يكون الكلام إخبارا عما سيشهد به . وفيه أن ذلك يوجب رداءة الحجة وسقوطها فأي معنى لأن يحتج على قوم يقولون
« لَسْتَ مُرْسَلًا »
فيقال : صدّقوا به اليوم لأن بعض علماء أهل الكتاب سوف يشهدون به . وقال بعضهم : إن هذه الشهادة شهادة تحمّل لا يستلزم إيمان الشهيد حين الشهادة فيجوز أن تكون الآية مكية والمراد بها عبد اللّه بن سلام أو غيره من علماء اليهود والنصارى وإن لم يؤمنوا حين نزول الآية . وفيه أن المعنى حينئذ يعود إلى الاحتجاج بعلم علماء أهل الكتاب وإن لم يعترفوا به ولم يؤمنوا ، ولو كان كذلك لكان المتعين أن يستشهد بعلم الذين كفروا أنفسهم فإن الحجة كانت قد تمت عليهم بكون القرآن كلام اللّه ولا يكون ذلك إلّا عن علمهم به فما الموجب للعدول عنهم إلى غيرهم وهم مشتركون في الكفر بالرسالة ونفيها . على أنه تقدم أن الشهادة في الآية ليست إلّا شهادة أداء دون التحمل . وقال بعضهم : - وهو ابن تيمية وقد أغرب - إن الآية مدنية بالاتفاق . وهو كما ترى . وذكر بعضهم : أن المراد بالكتاب القرآن الكريم ، والمعنى أن من تحمّل هذا الكتاب وتحقق بعلمه واختص به فإنه يشهد على أنه من عند اللّه وأني مرسل به فيعود مختتم السورة إلى مفتتحها من قوله :
« تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ »
وينعطف آخرها على أولها وعلى ما في أواسطها من قوله :
« أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ »
. وهذا في الحقيقة انتصار وتأييد منه تعالى لكتابه قبال ما أزرى به واستهانه الذين كفروا