ببدع من الأمر بل مما جرت عليه السنة الإلهية في الدعوة الدينية فلم يكن الرسل الماضون ملائكة وإنما بعثوا من بين هؤلاء الناس وكانوا رجالا من أهل القرى يخالطون الناس ويعرفون عندهم أوحى اللّه إليهم وأرسلهم نحوهم يدعونهم اليه كما أن النبي كذلك ، ومن الممكن أن يسير هؤلاء المدعوون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم فبلادهم الخربة ومساكنهم الخالية تفصح عما آل اليه أمرهم ، وتنبئ عن عاقبة كفرهم وجحودهم وتكذيبهم لآيات اللّه .
فالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لا يدعوهم إلّا كما كان يدعوهم الأنبياء من قبله ، وليس يدعوهم إلّا إلى ما فيه خيرهم وصلاح حالهم وهو أن يتقوا اللّه فيفلحوا ويفوزوا بسعادة خالدة ونعيم مقيم في دار باقية ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون .
فقوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
تطبيق لدعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم على دعوة من قبله من الرسل . ولعل توصيفهم بأنهم كانوا من أهل القرى للدلالة على أنهم كانوا من أنفسهم يعيشون بينهم ومعروفين عندهم بالمعاشرة والمخالطة ولم يكونوا ملائكة ولا من غير أنفسهم ، ويؤيد ذلك توصيفهم بأنهم كانوا رجالا فإن الرجال كانوا أقرب إلى المعرفة من النساء ذوات الخدر .
وقوله :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
إنذار لامة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بمثل ما أنذر به الأمم الخالية فلم يسمعوا فذاقوا وبال أمرهم .
وقوله :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ
بيان النصح وأن ما يدعون اليه وهو التقوى ليس وراءه الّا ما فيه كل خيرهم وجماع سعادتهم .
قوله تعالى :
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا
إلى آخر الآية ذكروا أن يئس واستيأس بمعنى ، ولا يبعد أن يقال : إن الاستيئاس هو الاقتراب من اليأس بظهور آثاره لمكان هيئة الاستفعال وهو مما يعد يأسا عرفا وليس باليأس