وحقيقة ، ومن الجائز أن ينقطع عن كل ما يصد النفس ويشغلها عن اللّه سبحانه ويتوجه بكله اليه ويذكره ولا يغفل عنه فلا يركن في ذاته وصفاته إلّا اليه ولا يريد إلّا ما يريده كالمخلصين من أوليائه تعالى .
وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبعد منه وهي التي يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع ، ومن الدليل على ذلك الأخلاق والصفات المتمكنة في النفوس التي تخالف مقتضى ما تعتقده من حق أو باطل ، والأعمال الصادرة منها كذلك ترى من يدعي الإيمان باللّه يخاف وترتعد فرائصه من أي نائبة أو مصيبة تهدده وهو يذكر أن لا قوة إلّا باللّه ، ويلتمس العزة والجاه من غيره وهو يتلو قوله تعالى :
« إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً »
ويقرع كل باب يبتغي الرزق وقد ضمنه اللّه ، ويعصي اللّه ولا يستحيي وهو يرى أن ربه عليم بما في نفسه سميع لما يقول بصير بما يعمل ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وعلى هذا القياس .
فالمراد بالشرك في الآية بعض مراتبه الذي يجامع بعض مراتب الإيمان وهو المسمى باصطلاح فن الأخلاق بالشرك الخفي .
قوله تعالى :
أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
الغاشية صفة سادة مسد الموصوف المحذوف لدلالة كلمة العذاب عليه ، والتقدير عقوبة غاشية تغشاهم وتحيط بهم .
والبغتة الفجأة . وقوله :
« وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »
حال من ضمير الجمع أي تفاجئهم الساعة في إتيانها والحال أنهم لا يشعرون بإتيانها لعدم مسبوقيتها بعلامات تعين وقتها وتشخص قيامها والاستفهام للتعجيب ، والمعنى أن أمرهم في إعراضهم عن آيات السماء والأرض وعدم إخلاصهم الإيمان للّه وتماديهم في الغفلة عجيب أفأمنوا عذابا من اللّه يغشاهم أو ساعة تفاجئهم وتبهتهم ؟
قوله تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي