تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
عَنْها مُعْرِضُونَ
الواو حالية ويحتمل الاستئناف والمرور على الشيء هو موافاته ثم تركه بموافاة ما وراءه فالمرور على الآيات السماوية والأرضية مشاهدتها واحدة بعد أخرى . والمعنى أن هناك آيات كثيرة سماوية وأرضية تدل بوجودها والنظام البديع الجاري فيها على توحيد بهم وهم يشاهدونها واحدة بعد أخرى فتتكرر عليهم والحال أنهم معرضون عنها لا يتنبهون . ولو حمل قوله :
« يَمُرُّونَ عَلَيْها »
على التصريح من دون الكناية كان من الدليل على ما يبتني عليه الهيئة الحديثة من حركة الأرض وضعا وانتقالا فإنا نحن المارون على الأجرام السماوية بحركة الأرض الانتقالية والوضعية لا بالعكس على ما يخيل الينا في ظاهر الحس . قوله تعالى :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
الضمير في
« أَكْثَرُهُمْ »
راجع إلى الناس باعتبار إيمانهم أي أكثر الناس ليسوا بمؤمنين وإن لم تسألهم عليه أجرا وإن كانوا يمرون على الآيات السماوية والأرضية على كثرتها والذين آمنوا منهم - وهم الأقلون - ما يؤمن أكثرهم باللّه إلّا وهم متلبسون بالشرك . وتلبس الإنسان بالإيمان والشرك معا مع كونهما معنيين متقابلين لا يجتمعان في محل واحد نظير تلبسه بسائر الاعتقادات المتناقضة والأخلاق المتضادة إنما يكون من جهة كونها من المعاني التي تقبل في نفسها القوة والضعف فتختلف بالنسبة والإضافة كالقرب والبعد فإن القرب والبعد المطلقين لا يجتمعان إلّا أنهما إذا كانا نسبيين لا يمتنعان الاجتماع والتصادق كمكة فإنها قريبة بالنسبة إلى المدينة بعيدة بالنسبة إلى الشام ، وكذا هي بعيدة من الشام إذا قيست إلى المدينة قريبة منه إذا قيست إلى بغداد . والإيمان باللّه والشرك به وحقيقتهما تعلق القلب باللّه بالخضوع للحقيقة الواجبية وتعلق القلب بغيره تعالى مما لا يملك شيئا إلّا بإذنه تعالى يختلفان بحسب النسبة والإضافة فإن من الجائز أن يتعلق الإنسان مثلا بالحياة الدنيا الفانية وزينتها الباطلة وينسى مع ذلك كل حق