وهو ممن نصّ القرآن الكريم على كونه مخلصا - بالفتح - للّه لا يشرك به شيئا ، ويوسف عليه السّلام - وهو المسجود له - منهم بنص القرآن وهو القائل لصاحبيه في السجن : ما كان لنا أن نشرك باللّه من شيء ولم يردعهم .
فليس إلّا أنهم إنما أخذوا يوسف آية اللّه فاتخذوه قبلة في سجدتهم وعبدوا اللّه بها لا غير كالكعبة التي تؤخذ قبلة فيصلى إليها فيعبد بها اللّه دون الكعبة ، ومن المعلوم أن الآية من حيث إنها آية لا نفسية لها أصلا فليس المعبود عندها إلّا اللّه سبحانه وتعالى ، وقد تكرر الكلام في هذا المعنى فيما تقدم من أجزاء الكتاب .
قوله تعالى :
قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
إلى آخر الآية ؛ لما شاهد عليه السّلام سجدة أبويه وإخوته الأحد عشر ذكر الرؤيا التي رأى فيها أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين وأخبر بها أباه وهو صغير فأوّلها له ، فأشار إلى سجودهم له وقال
« يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها
- أي الرؤيا -
رَبِّي حَقًّا » .
ثم أثنى على ربه شاكرا له فقال
« وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ »
فذكر إحسان ربه به في إخراجه من السجن وهو ضرّاء وبلاء دفعه اللّه عنه بتبديله سراء ونعمة من حيث لا يحتسب حيث جعله وسيلة لنيله العزة والملك .
ولم يذكر إخراجه من الجب قبل ذلك لحضور إخوته عنده وكان لا يريد أن يذكر ما يسوؤهم ذكره كرما وفتوة بل أشار إلى ذلك بأحسن لفظ يمكن أن يشار به اليه من غير أن يتضمن طعنا فيهم وشنآنا فقال
« وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي »
والنزغ هو الدخول في أمر لإفساده .
والمراد : وقد أحسن بي من بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي فكان من الأمر ما كان فأدّى ذلك إلى فراق بيني وبينكم فساقني ربي إلى مصر فأقرّني في أرغد عيش وأرفع عزة وملك ثم قرّب بيننا بنقلكم من البادية إليّ في دار المدنية والحضارة .