يعني أنه كانت نوائب نزلت بي إثر إفساد الشيطان بيني وبين إخوتي ومما أخصه بالذكر من بينها فراق بيني وبينكم ثم رزية السجن فأحسن بي ربي ودفعها عني واحدة بعد أخرى ولم يكن من المحن والحوادث العادية بل رزايا صماء وعقودا لا تنحل لكن ربي نفذ فيها بلطفه ونفوذ قدرته فبدلها أسباب حياة ونعمة بعد ما كانت أسباب هلاك وشقاء ولهذه الثلاثة الأخيرة عقب قوله :
« وَقَدْ أَحْسَنَ بِي »
الخ ؛ بقوله :
« إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ »
.
فقوله :
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
تعليل لإخراجه من السجن ومجيئهم من البدو ، ويشير به إلى ما خصه اللّه به من العناية والمنة وأن البلايا التي أحاطت به لم تكن لتنحل عقدتها أو لتنحرف عن مجراها لكن اللّه لطيف لما يشاء نفذ فيها فجعل عوامل الشدة عوامل رخاء وراحة وأسباب الذلة والرقية وسائل عزة وملك .
واللطيف من أسمائه تعالى يدل على حضوره وإحاطته تعالى بما لا سبيل إلى الحضور فيه والإحاطة به من باطن الأشياء وهو من فروع إحاطته تعالى بنفوذ القدرة والعلم قال تعالى :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
( الملك / 14 ) والأصل في معناه الصغر والدقة والنفوذ يقال : لطف الشيء بالضم يلطف لطافة إذا صغر ودق حتى نفذ في المجاري والثقب الصغار ، ويكنى به عن الإرفاق والملاءمة والاسم اللطف .
وقوله :
هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
تعليل لجميع ما تقدم من قوله :
« يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا »
الخ ؛ وقد علل عليه السّلام الكلام وختمه بهذين الاسمين محاذاة لأبيه حيث تكلم في رؤياه وقال
« وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ
- إلى أن قال -
إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
وليس يبعد أن يفيد اللام في قوله :
« الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ »
معنى العهد فيفيد تصديقه لقول أبيه عليه السّلام والمعنى : وهو ذاك العليم الحكيم الذي وصفته لي يوم أوّلت رؤياي .
قوله تعالى :
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ