تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قائم لم تذهب بقايا آثارها التي تدلّ عليها بالمرّة كقرى قوم لوط حين نزول قصّتهم في القرآن كما قال :
وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( العنكبوت / 35 ) وقال :
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( الصافات / 138 ) ، ومنها ما انمحت آثاره وانطمست أعلامه كقرى قوم نوح وعاد . وإن كان المراد بالقرى أهلها فالمعنى أنّ من تلك الأمم والأجيال من هو قائم لم يقطع دابرهم البتّة كأمة نوح وصالح ، ومنها من قطع اللّه دابرهم كقوم لوط لم ينج منهم إلّا أهل بيت لوط ولم يكن لوط منهم . قوله تعالى :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
إلى آخر الآية ؛ أي ما ظلمناهم في إنزال العذاب عليهم وإهلاكهم إثر شركهم وفسوقهم ولكن ظلموا أنفسهم حين أشركوا وخرجوا عن زيّ العبوديّة ، وكلما كان عمل وعقوبة عليه كان أحدهما ظلما إمّا العمل وإما العقوبة عليه فإذا لم تكن العقوبة ظلما كان الظلم هو العمل استتبع العقوبة . فمحصّل القول أنّا عاقبناهم ظلمهم ولذا عقبه بقوله :
« فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ »
الخ ؛ لأن محصّل النظم أخذناهم فما أغنت عنهم آلهتهم ، فالمفرّع عليه هو الذي يدل عليه قوله :
« وَما ظَلَمْناهُمْ »
الخ ؛ والمعنى أخذناهم فلم يكفهم في ذلك آلهتهم التي كانوا يدعونها من دون اللّه لتجلب إليهم الخير وتدفع عنهم الشرّ ، ولم تغنهم شيئا لما جاء أمر ربّك وحكمه بأخذهم أو لمّا جاء عذاب ربّك . وقوله :
وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ
التتبيب التدمير والإهلاك من التبّ وأصله القطع لأن عبادتهم الأصنام كان ذنبا مقتضيا لعذابهم ولمّا أحسّوا بالعذاب والبؤس فالتجئوا إلى الأصنام ودعوها لكشفه ودعاؤها ذنب آخر زاد ذلك في تشديد العذاب عليهم وتغليظ العقاب لهم فما زادوهم غير هلاك . ونسبة التتبيب إلى آلهتهم مجاز وهو منسوب في الحقيقة إلى دعائهم إيّاها ، وهو عمل