قال -
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( البقرة / 39 ) وفي موضع آخر بقوله :
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ
( الأعراف / 25 ) .
وهذا الخطاب خطاب ثان مشابه لذاك الخطاب الأول موجّه إلى نوح عليه السّلام ومن معه من المؤمنين - وإليهم ينتهي نسل البشر اليوم - متعلق بهم وبمن يلحق بهم من ذراريهم إلى يوم القيامة ، وهو يتضمن تقدير حياتهم الأرضية والإذن في نزولهم إليها واستقرارهم فيها وإيوائهم إياها .
وقد قسّم اللّه هؤلاء المأذون لهم قسمين فعبّر عن إذنه لطائفة منهم بالسلام والبركات وهم نوح عليه السّلام وأمم ممن معه ، ولطائفة أخرى بالتمتيع ، وعقّب التمتيع بمس العذاب لهم كما أن كلمتي السلام والبركات لا تخلوان من بشرى الخير والسعادة بالنسبة إلى ما تعلقتا به .
وقوله :
وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
كأنه مبتدأ لخبر محذوف والتقدير : وممن معك أمم أو وهناك أمم سنمتعهم ، الخ ؛ وقد أرجهم اللّه سبحانه من زمرة المخاطبين بخطاب الإذن فلم يقل : ومتاع لأمم آخرين سيعذبون طردا لهم من موقف الكرامة ، فأخبر أن هناك أمما آخرين سنمتعهم ثم نعذبهم وهم غير مأذون لهم في التصرف في أمتعة الحياة إذن كرامة وزلفى .
قوله تعالى :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ
أي هذه القصص أو هذه القصة من أنباء الغيب نوحيها إليك .
وقوله :
ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
أي كانت وهي على محوضة الصدق والصحة مجهولة لك ولقومك من قبل هذا ، والذي عند أهل الكتاب منها محرّف مقلوب عن وجه الصواب كما سيوافيك ما في التوراة الحاضرة من قصته عليه السّلام .