تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وأما حقيقة الشكر فإن العناية الإلهية التي حالت بينه وبين السؤال الذي كان يوجب دخوله في زمرة الجاهلين وعصمته ببيان وجه الصواب كانت سترا إلهيا على زلّة في طريقه ورحمة ونعمة أنعم اللّه سبحانه بها عليه فقوله عليه السّلام :
« وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ »
أي إن لم تعذني من الزّلات لخسرت ، ثناء وشكر لصنعه الجميل . قوله تعالى :
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
الخ ؛ السلام هو السلامة أو التحية غير أن ذكر مسّ العذاب في آخر الآية يؤيد كون المراد به في صدرها السلامة من العذاب وكذا تبديل البركة في آخر الآية إلى التمتع يدل على أن المراد بالبركات ليس مطلق النعم وأمتعة الحياة بل النعم من حيث تسوق الانسان إلى الخير والسعادة والعاقبة المحمودة . فقوله :
قِيلَ
- ولم ذكر القائل وهو اللّه سبحانه للتعظيم -
يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ
معناه - واللّه أعلم - يا نوح انزل مع سلامة من العذاب - الطوفان - ونعم ذوات بركات وخيرات نازلة منا عليك ، أو انزل بتحية وبركات نازلة منا عليك . وقوله :
وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
معطوف على قوله :
« عَلَيْكَ »
وتنكير أمم يدل على تبعيضهم لأن من الأمم من يذكره تعالى بعد في قوله :
« وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ »
. والخطاب أعني قوله تعالى :
يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ
إلى آخر الآية بالنظر إلى ظرف صدوره وليس وقتئذ متنفّس على وجه الأرض من انسان أو حيوان وقد أغرقوا جميعا ولم يبق منهم إلّا جماعة قليلة في السفينة وقد رست واستوت على الجوديّ ، وقد قضي أن ينزلوا إلى الأرض فيعمروها ويعيشوا فيها إلى حين . خطاب عام شامل للبشر من لدن خروجهم منها إلى يوم القيامة نظير ما صدر من الخطاب الإلهي يوم أهبط آدم عليه السّلام من الجنة إلى الأرض وقد حكاه اللّه تعالى في موضع بقوله :
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
- إلى أن
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 158 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي