مُقِيمٌ
السياق يقضي أن يكون قوله :
« فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ »
تفريعا على الجملة الشرطية السابقة
« إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ »
وتكون الجملة المتفرعة هو متن السخرية التي أتى بها نوح عليه السّلام ، ويكون قوله :
« مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ »
الخ ؛ متعلقا بتعلمون على أنه معلوم العلم .
والمعنى : ان تسخروا منا فإنا نسخر منكم فنقول لكم : سوف تعلمون من يأتيه العذاب ؟
نحن أو أنتم ؟ وهذه سخرية بقول حق .
وقوله :
مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ
المراد به عذاب الاستئصال في الدنيا وهو الغرق الذي أخزاهم وأذلهم ، والمراد بقوله :
« وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ »
اي ينزل عليه عذاب ثابت لازم لا يفارق ، هو عذاب النار في الآخرة ، والدليل على ما ذكرنا من كون العذاب الأول هو الذي في الدنيا والثاني هو عذاب الآخرة هو المقابلة وتكرر العذاب - منكّرا - في اللفظ وتوصيف الأول بالإخزاء والثاني بالإقامة .
وربما أخذ بعضهم قوله :
« فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ »
تاما من غير ذكر متعلق العلم وقوله :
« مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ »
الخ ؛ ابتداء كلام من نوح عليه السّلام وهو بعيد عن السياق .
قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ
إلى آخر الآية ؛ يقال : فار القدر يفور فورا وفورانا إذا غلا واشتدّ غليانه ، وفارت النار إذا اشتعلت وارتفع لهيبها ، والتنوّر تنّور الخبز ، وهو مما اتفقت فيه اللغتان : العربية والفارسية أو الكلمة فارسية في الأصل .
وفوران التنّور نبع الماء وارتفاعه منه ، وقد ورد في الروايات : أن أول ما ابتدأ الطوفان يومئذ كان ذلك بتفجّر الماء من تنّور ، وعلى هذا فاللام في التنّور للعهد يشار بها إلى تنور معهود في الخطاب ، ويحتمل اللفظ أن يكون كناية عن اشتداد غضب اللّه تعالى فيكون من قبيل قولهم : « حمي الوطيس » إذا اشتدّ الحرب .
فقوله :
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ
أي كان الأمر على ذلك حتى إذا جاء