تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤

بيان :

قوله تعالى :
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
الابتئاس من البؤس وهو حزن مع استكانة . وقوله :
لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
إيئاس وإقناط له عليه السّلام من إيمان الكفار من قومه بعد ذلك ، ولذلك فرّع عليه قوله :
« فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ »
لأن الداعي إلى أمر إنما يبتئس ويغتمّ من مخالفة المدعوين وتمردهم ما دام يرجو منهم الإيمان والاستجابة لدعوته ، وأما إذا يئس من إجابتهم فلا يهتم بهم ولا يتعب نفسه في دعوتهم إلى السمع والطاعة والإلحاح عليهم بالإقبال اليه ولو دعاهم بعدئذ فإنما يدعوهم لغرض آخر كإتمام الحجة وإبراز المعذرة . وعلى هذا ففي قوله :
فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
تسلية من اللّه لنحو عليه السّلام وتطييب لنفسه الشريفة من جهة ما في الكلام من الإشارة إلى حلول حين فصل القضاء بينه وبين قومه ، وصيانة لنفسه من الوجد والغم لما كان يشاهد من فعلهم به وبالمؤمنين به من قومهم من إيذائهم إياهم في دهر طويل ( مما يقرب من ألف سنة ) لبث فيه بينهم . قوله تعالى :
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
الفلك هي السفينة مفردها وجمعها واحد والأعين جمع قلة للعين وإنما جمع للدلالة على كثرة المراقبة وشدتها فإن الجملة كناية عن المراقبة في الصنع . وذكر الأيّن قرينة على أن المراد بالوحي ليس هو هذا الوحي أعني قوله :
« وَاصْنَعِ الْفُلْكَ »
الخ ؛ حتى يكون وحيا للحكم بل وحي في مقام العمل وهو تسديد وهداية عملية بتأييده بروح القدس الذي يشير اليه أن افعل كذا وافعل كذا كما ذكره تعالى في الأئمة من آل إبراهيم عليهم السّلام بقوله :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا