تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وقوله :
كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ
حال من فاعل يصنع والملأ هاهنا الجماعة الذين يعبأ بهم ، وفي الكلام دلالة على أنهم كانوا يأتونه وهو يصنع الفلك جماعة بعد جماعة بالمرور عليه ساخرين ، وأنه عليه السّلام كان يصنعها في مرأى منهم وممرّ عام . وقوله :
قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ
في موضع الجواب لسؤال مقدّر كأن قائلا قال : فما ذا قال نوح عليه السّلام ؟ فقيل
« قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ »
ولذا فصل الكلام من غير عطف . ولم يقل عليه السّلام : إن تسخروا مني فإني أسخر منكم ليدفع به عن نفسه وعن عصابة المؤمنين به وكأنه كان يستمد من أهله وأتباعه في ذلك وكانوا يشاركونه في عمل السفينة وكانت السخرية تتناولهم جميعا فظاهر الكلام أن الملأ كانوا يواجهون نوحا ومن معه في عمل السفينة بسخرية نوح ورميه عليه السّلام بالخبل والجنون فيشمل هزؤهم نوحا ومن معه وإن كانوا لم يذكروا في هزئهم إلّا نوحا فقط . على أن الطبع والعادة يقضيان أن يكونوا يسخرون من أتباعه أيضا كما كانوا يسخرون منه فهم أهل مجتمع واحد تربط المعاشرة بعضهم بعض وإن كانت سخريتهم من أتباعه سخرية منه في الحقيقة لأنه هو الأصل الذي تقوم به الدعوة ، ولذا قيل
« سَخِرُوا مِنْهُ »
ولم يقل : سخروا منه ومن المؤمنين . والسخرية وإن كانت قبيحة ومن الجهل إذا كانت ابتدائية لكنها جائزة إذا كانت مجازاة وبعنوان المقابلة وخاصة إذا كانت تترتب عليها فائدة عقلائية كإنفاذ العزيمة وإتمام الحجة ، قال تعالى :
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( التوبة / 79 ) ، ويدل على اعتبار المجازاة والمقابلة بالمثل في الآية قوله :
« كَما تَسْخَرُونَ »
. قوله تعالى :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ