المجتمع وأقوياؤهم ، وفيه أيضا تعريض بأنهم ظالمون .
وإنما عقّب نوح عليه السّلام قوله :
« وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ »
وهو ينفي فيه جهات الامتياز التي كانوا يتوقعونها في الرسول عن نفسه ، بقوله :
« وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً »
الخ ؛ مع أنه راجع إلى الضعفاء الذين آمنوا به من قومه لأن الملأ ألحقوهم به في قولهم :
« وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ »
.
وتوضيحه أن معنى قولهم هذا أن اتّباعنا لك ولمن آمن بك من هؤلاء الأراذل إنما يستقيم لفضل يتم لكم علينا ولا نرى لكم علينا من فضل أمّا أنت فليس معك ما يختصّ به الرسول من قدرة ملكوتية أو علم بالغيب أو أن تكون ملكا منزّها من ألواث المادّة والطبيعة ، وأما المؤمنون بك فإنما هم أراذلنا الآيسون من كرامة الانسانية المحرومون من الرحمة والعناية .
فأجاب عنهم نوح بما معناه : أمّا أنا فلا أدّعي شيئا مما تتوقّعون من رسالتي فليست للرسول إلّا الرسالة وأما هؤلاء الضعفاء الذين لهم هوان عندكم فمن الجائز أن يعلم اللّه من نفوسهم خيرا فيؤتيهم خيرا وفضلا فهو أعلم بأنفسهم ، وملاك الكرامة الدينيّة والرحمة الإلهيّة زكاء النفس وسلامة القلب دون الظاهر الذي تزدريه أعينكم فلست أقول : لن يؤتيهم اللّه خيرا ، فإنه ظلم يدخلني في زمرة الظالمين .
قوله تعالى :
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
كلام القوه إلى نوح عليه السّلام بعد ما عجزوا عن دحض حجته وإبطال ما دعا إليه من الحق ، وهو مسوق سوق التعجيز والمراد بقولهم :
« بِما تَعِدُنا »
ما أنذرهم به في أوّل دعوته من عذاب يوم أليم .
والمعنى - واللّه أعلم - يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا حتى سئمنا ومللنا وما نحن لك بمؤمنين فأتنا بما تعدنا من العذاب ، وهم لا يعترفون بالعجز عن خصامه وجداله بل