تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
إنما يرد داخل المجتمع ويشاركهم في الحياة ليستفيد الشريف من عمله وينتفع من كدّ يمينه لحياته من غير عكس بل هو محروم من الكرامة مطرود عن حظيرة الشرافة آيس من الرحمة والعناية . فهذا هو الذي كانوا يرونه وكان هو المعتمد عليه في مجتمعهم ، وقد ردّ نوح عليه السّلام ذلك إليهم بقوله :
« وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً »
. ثمّ بيّن خطأهم في معتقدهم بقوله :
« اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ »
أي إن أعينكم إنما تزدريهم وتستحقرهم وتستهين أمرهم لما تحسّ ظاهر ضعفهم وهوانهم ، وليس هو الملاك في إحراز الخير ونيل الكرامة بل الملاك في ذلك وخاصّة الكرامات والمثوبات الإلهية أمر النفس وتحلّيها بحليّ الفضيلة والمنقبة المعنوية ، ولا طريق لي ولا لكم إلى العلم ببواطن النفوس وخبايا القلوب إلّا للّه سبحانه فليس لي ولا لكم أن نحكم بحرمانهم من الخير والسعادة . ثم بيّن بقوله :
« إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ »
السبب في تحاشيه عن هذا القول ومعناه أنه قول بغير علم ، وتحريم الخير على من يمكن أن يستحقه جزافا من غير دليل ظلم لا ينبغي أن يرومه الانسان فيدخل بذلك في زمرة الظالمين . وهذا المعنى هو الذي يشير تعالى إليه فيما يحكيه من كلام أهل الأعراف يوم القيامة خطابا لهؤلاء الطاغين إذ يقول :
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ
( الأعراف / 49 ) . وفي الكلام أعني قول نوح عليه السّلام
« وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ »
الخ ؛ تعريض لهم أنهم كما كانوا يحرّمون على ضعفاء المجتمع المزايا الحيوية الاجتماعية كذلك كانوا يحرمون عليهم الكرامة الدينية ويقولون : إنهم لا يسعدون بدين وإنما يسعد به أشراف
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 137 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي