تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ »
الخ ؛ فتدبّر فيها . فقوله :
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
جواب عن قولهم :
« ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا »
يريدون به أنه ليس معه إلّا البشرية التي يماثلهم فيها ويماثلونه فبأي شيء يدّعي وجوب اتّباعهم له ؟ بل هو كاذب يريد بما يدّعيه من الرسالة أن يصطادهم فيقتنص بذلك أموالهم ويترأس عليهم . وإذ كان هذا القول منهم متضمنا لنفي رسالته وسندهم في ذلك أنه بشر لا أثر ظاهر معه يدل على الرسالة والاتصال بالغيب كان من الواجب تنبيههم على ما يظهر به صدقه في دعوى الرسالة وهو الآية المعجزة الدالّة على صدق الرسول في دعوى الرسالة فإن الرسالة نوع من الاتصال بالغيب خارق للعادة الجارية لا طريق إلى العلم بتحققه إلّا بوقوع امر غيبي آخر خارق للعادة يوقن به كون الرسول صادقا في دعواه الرسالة ، ولذلك أشار عليه السّلام بقوله :
« يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي »
إلى أن معه بينة من اللّه وآية معجزة تدل على صدقه في دعواه . وقوله :
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
الظاهر أنه عليه السّلام يشير به إلى ما آتاه اللّه تعالى من الكتاب والعلم ، وقد تكرر في القرآن الكريم تسمية الكتاب وكذا تسمية العلم باللّه وآياته رحمة قال تعالى :
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً
( هود / 17 ) ، وقال :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً
( النحل / 89 ) ، وقال :
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا
( الكهف / 65 ) وقال :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً
( آل عمران / 8 ) . وأما قوله :
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
فالظاهر أن ضميره راجع إلى الرحمة ، والمراد أن ما عندي من العلم والمعرفة اخفاها عليكم جهلكم وكراهتكم للحق بعد ما ذكّرتكم به وبثثته فيكم .