اقتناء الأموال والقبض على ثروة الناس والاستعلاء عليهم بالحكم والرئاسة ، وهذا كما حكى اللّه سبحانه عنهم في مثل القصة إذ قال :
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ
( المؤمنون / 24 ) . وبهذا يظهر وجه تعليقهم الكذب بالظن دون الجزم ، وأن المراد بالكذب الكذب المخبري دون الخبري .
قوله تعالى :
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
إلى آخر الآية ؛ بيان لما أجاب به نوح عليه السّلام عن حجتهم إلى تمام اربع آيات ، والتعمية الإخفاء فمعنى عميت عليكم بالبناء للمفعول أخفيت عليكم من ناحية جهلكم وكراهتكم للحق . وقرئ : عميت بالتخفيف والبناء للفاعل أي خفيت عليكم تلك الرحمة .
لما كانت حجتهم مبنية على الحس ونفي ما وراءه وقد استنتجوا منها أولا عدم الدليل على وجوب طاعته واتّباعه ثم اضربوا عنه بالترقي إلى استنتاج الدليل على عدم الوجوب بل على وجوب العدم أجابهم عليه السّلام بإثبات ما حاولوا نفيه من رسالته وما يتبعه ، ونفي ما حاولوا اثباته باتهامه واتهام اتباعه بالكذب غير أنه استعطفهم بخطاب يا قوم - بالإضافة إلى ضمير التكلم - مرة بعد مرة ليجلبهم اليه فيقع نصحه موقع القبول منهم .
وقد ابدع الآيات الكريمة في تقرير حجته عليه السّلام في جوابهم فقطّعت حجتهم فصلا فصلا وأجابت عن كل فصل بوجهيه أعني من جهة انتاجه أن لا دليل على اتّباعه عليه السّلام وأن الدليل على خلافه وذلك قوله :
« يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ »
الخ ؛ وقوله :
« وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا »
الخ ؛ وقوله :
« وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ »
الخ ؛ ثم اخذت من كل حجة سابقة شيئا يجري مجرى التلخيص فإضافته إلى الحجة اللاحقة بادئة به فامتزجت الحجة بالحجة على ما لكل منها من الاستقلال والتمام .
فتمت الحجج ثلاثا كل واحدة منها مبدوّة بالخطاب وهي قوله :
« يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ »
الخ ؛ وقوله :
« يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً »
الخ ؛ وقوله :
« وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي