واختلف العلماء في السبب الذي امتحن لأجله داود [ عليه السلام ] بما امتحن به على خمسة
أقوال :
أحدها : أنه قال : يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لو وددت أنك
أعطيتني مثله ، فقال الله تعالى : إني ابتليتهم بما لم أبتلك به ، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم
به وأعطيتك كما أعطيتهم ؟ قال : نعم ، فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة ، فأراد أن يأخذها
فطارت ، فذهب ليأخذها ، فرأى امرأة تغتسل ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال السدي .
والثاني : أنه ما زال يجتهد في العبادة حتى برز له قرناؤه من الملائكة وكانوا يصلون معه
ويسعدونه بالبكاء ، فلما استأنس بهم ، قال : أخبروني بأي شئ أنتم موكلون ؟ قالوا : ما نكتب
عليك ذنبا ، بل نكتب صالح عملك ونثبتك ونوفقك ونصرف عنك السوء ، فقال في نفسه : ليت
شعري ، كيف أكون لو خلوني ونفسي ، وتمنى أن يخلى بينه وبين نفسه ليعلم كيف يكون ، فأمر الله
تعالى قرناءه أن يعتزلوه ليعلم أنه لا غناء به عن الله [ تعالى ] عز وجل ، فلما فقدهم ، جد واجتهد
ضعف عبادته إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه ، فأراد الله تعالى ] أن يعرفه ضعفه ، فأرسل إليه طائرا من
طيور الجنة ، فسقط في محرابه ، فقطع صلاته ومد يده إليه ، فتنحى عن مكانه ، فأتبعه بصره ، فإذا
امرأة أوريا ، هذا قول وهب بن منبه .
والثالث : أنه تذاكر هو وبنو إسرائيل ، فقالوا : هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا ؟
فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك ، فلما كان يوم عبادته ، أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد
وأكب على قراءه الزبور ، فإذا حمامة من ذهب ، فأهوى إليها فطارت ، فتبعها فرأى المرأة ، رواه مطر
عن الحسن .
والرابع : أنه قال لبني إسرائيل حين ملك : والله لأعدلن بينكم ، ولم يستثن ، فابتلي ، رواه
قتادة عن الحسن .
والخامس : أنه أعجبه كثرة عمله ، فابتلي ، قاله أبو بكر الوراق .
الإشارة إلى قصة ابتلائه
وذكر جماعة من المفسرين أن داود لما نظر إلى المرأة ، سأل عنها ، وبعث زوجها إلى الغزاة
مرة بعد مرة إلى أن قتل ، فتزوجها ، وروى ، مثل هذا عن ابن عباس ، ووهب ، والحسن في
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 326
مساهمون: ابن الجوزي
ص٣٢٦