تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 697

مساهمون:

ص٦٩٧
رجل من الوفد بحاجته في خاصته ، والأحنف ساكت ، فقال له عمر : قل يا فتى ! فقام فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ العرب نزلت بمساكن طيبة ، ذات ثمار وأنهار عذاب ، وأكنّة ظليلة « 1 » ، ومواضع فسيحة ، وإنا نزلنا بسبخة نشّاشة ، ماؤها ملح ، وأفنيتها ضيقة ، وإنما يأتينا الماء في مثل حلق النعامة فإلَّا تدركنا يا أمير المؤمنين بحفر نهر يغزر ماؤه ، حتى تأتى الأمة فتغرف بجرّتها وإنائها أوشك أن نهلك ، قال : ثم ماذا ؟ قال : تزيد في صاعنا ومدّنا ، وتثبت من تلاحق في العطاء من ذريتنا . قال : ثم ماذا ؟ قال : تخفّف عن ضعيفنا ، وتنصف قوينا ، وتتعاهد ثغورنا ، وتجهّز بعثنا ، قال : ثم ماذا ؟ قال : إلى ها هنا انتهت المطالب ، ووقف الكلام . قال : أنت رئيس وفدك ، وخطيب مصرك ، قم عن موضعك الذي أنت فيه . فأدناه حتى أقعده إلى جانبه ، ثم سأله عن نسبه ، فانتسب له ، فقال : أنت سيد تميم ، فبقيت له السيادة إلى أن مات . وهو الأحنف ، واسمه الضحّاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن ابن عبادة بن النزال بن مرّة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن [ سعد بن ] زيد مناة بن تميم وقال بعض بنى تميم : حضرت مجلس الأحنف وعنده قوم مجتمعون له في أمر لهم ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال : إنّ الكرم منع الحرم ، ما أقرب النقمة من أهل البغى ، لا خير في لذّة تعقب ندما ، لم يهلك من اقتصد ، ولم يفتقر من زهد ، رب هزل قد عاد جدا ، من أمن الزمان خانه ، ومن تعظَّم عليه أهانه ، دعوا المزاح فإنه يؤرّث « 2 » الضغائن ، وخير القول ما صدّقه الفعل ، احتملوا لمن أدلّ عليكم ، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم ، أطع أخاك وإن عصاك ، وصله وإن جفاك ، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك ، إيّاكم ومشاورة
هامش
« 1 » الأكنة : جمع كن ، وهو الستر الواقى من الحر والبرد ، والظليلة : دات الظل ( م ) . « 2 » يؤرث الضغائن : يوقدها ، ويشعلها ، ويؤجج نارها ، والمراد أنه ينشئها ويزيدها ( م ) . ( 5 - زهر الآداب 3 )