تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 699

مساهمون:

ص٦٩٩
إلى خير ، ولا أسمع إلا حسنا . فذكر للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : اللهم اغفر للأحنف . وكان الأحنف يقول : ما شئ أرجى عندي من ذلك . قال عبد الملك بن عمير : قدم إلينا الأحنف ، فما رأينا خصلة تذمّ في رجل إلَّا رأيناها فيه ، كان أصلع الرأس ، متراكب الأسنان ، أشدق ، مائل الذّقن ، ناتئ الوجنتين ، باخق العينين « 1 » ، خفيف العارضين ، أحنف الرّجلين ، وكانت العين تقتحمه دمامة وقلَّة رواء ، ولكنه إذا تكلَّم جلَّى عن نفسه . وهو الذي خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياء ، وتنازعت القبائل ؛ فقال بعد أن حمد اللَّه وأثنى عليه : يا معشر الأزد [ وربيعة ] ، أنتم إخواننا في الدين ، وشركاؤنا في الصّهر ، وأكفاؤنا في النسب ، وجيراننا في الدار ، ويدنا على العدوّ ، واللَّه لأزد البصرة أحبّ إلينا من تميم الكوفة ، [ ولأزد الكوفة أحبّ إلينا من تميم الشام ] ، وفى أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم . وقد قام خطباء البصرة في هذا اليوم وتكلَّموا وأسهبوا ، فلما قام الأحنف أصغت القبائل إليه ، وانثالت عليه ، وقال الناس : هذا أبو بحر ، هذا خطيب بنى تميم ، وحضر ذلك الجمع جارية لآل المهلب ، فذهبت تروم النظر إليه ، فاعتاص ذلك عليها ، فأشرفت عليه من دارها ، فلما رأته والأبصار خاشعة لكلامه ، ورأت دمامة خلقه ، وكثرة آفات جوارحه ، قالت : فقدت هذه الخلقة ولو افترّت عن فصل الخطاب وذكر المدائني أنّ الأحنف بن قيس وفد على معاوية رضى اللَّه عنه مع أهل العراق ، فخرج الآذن ، فقال : إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكم ألَّا يتكلم أحد إلَّا لنفسه ، فلما وصلوا إليه قال الأحنف : لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافّة دفّت ، ونازلة نزلت ، ونابتة نبتت ، كلهم بهم حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبرّه . قال : حسبك يا أبا بحر ، فقد كفيت الشاهد والغائب .
هامش
« 1 » البخق في العين : ألا يلتقى جفناها ( م )